:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Thursday, May 24, 2018

جيروم والنمر


القصص التي تتحدّث عن الارتباط الوجدانيّ بين الإنسان والذئب كثيرة. وربّما يعود سبب هذا الارتباط إلى حقيقة أن الذئاب جزء من آثار العالم القديم والمندثر عندما كان الإنسان واقعا بالكامل تحت رحمة الطبيعة وعاجزا عن السيطرة على قواها القاهرة.
وغالبا ما تقترن الذئاب بالحياة في الصحاري والجبال التي تذكّر الإنسان بأسلافه الأقدمين وبخلود العالم. ولهذا السبب أصبح هذا الحيوان رمزا لاستمرارية الوجود الإنسانيّ وديمومة الحياة على الأرض.
وفي مقابل وفرة القصص التي تحكي عن العلاقة بين الإنسان والذئب المعروف بقابليّته للاستئناس، لا تتوفّر قصص مشابهة عن حيوان كالنمر، مثلا، لسبب واضح. فالنمر حيوان متوحّش جدّا، وهو الحيوان الوحيد الذي لا يمكن للإنسان أبدا أن يروّضه أو يأمن شرّه.
وحكايات الرحّالة الأوائل الذين لم يروا النمر تُصوّره على انه مخلوق خياليّ لا يختلف كثيرا عن التنّين. وبالنسبة للأوربّيين، ، كان النمر، وحتى القرن الثامن عشر، ما يزال أشبه ما يكون بالأسطورة، إذ لم يكن احد قد رآه عيانا. والصورة الوحيدة المتوفّرة عنه مصدرها كتاب مصوّر عن هيئات الحيوانات يعود تاريخه إلى القرون الوسطى.
والفنّانون الذين رسموا النمر تخيّلوه في هيئة حيوان عنيف وشرس جدّا؛ أكثر شراسةً حتى من الأسد. أما الهنود والكوريون والصينيون فقد عرفوه منذ أقدم الأزمنة. والكوريون يعتبرون النمر حيوانا مقدّسا، وظهوره في مكان ما يُعدّ بشارة خير وعلامة فأل.
الرسّام الاستشراقي الفرنسيّ جان ليون جيروم رسم في عام 1882 لوحة بعنوان أحزان الباشا، استوحاها من قصيدة كان قد قرأها لمواطنه الروائيّ فيكتور هيغو بنفس العنوان.
والقصيدة تتحدّث عن باشا تركيّ كان قد استأنس نمرا واحتفظ به في قصره إلى أن مات "أي النمر". ويصف الكاتب الباشا وهو جالس أمام الحيوان الميّت وقد علت وجهه أمارات الألم والحزن.
كان جيروم نفسه قد طاف ببلاد الشرق وسجّل في العديد من لوحاته بعض المناظر التي رآها في رحلاته الكثيرة إلى مصر وتركيا وغيرهما. وبعض تلك اللوحات تصوّر مشاهد صراع دامٍ حتى الموت بين بشر وحيوانات مفترسة.


في "أحزان الباشا"، نرى الرجل التركيّ جالسا يتأمّل في صمت نمره الميّت المتمدّد على السجّادة التي تناثرت فوقها الورود الحمراء. اللوحة صغيرة نسبيّا، لكنها تعكس حالة غريبة ونادرة من التعاطف بين الإنسان وحيوان يصعب تصوّر أن يتمّ ترويضه أو أن تنشأ بينه وبين البشر علاقة ودّ وألفة.
علماء الحيوان يقولون إن من عادة النمر أن يستبدّ به الغضب عندما يرى أيّ كائن حيّ يتحرّك بالقرب منه. وحتى لو عومل معاملة حسنة فإنه لا يتردّد في تمزيق اليد التي أطعمته. وكلّ مؤرّخي الطبيعة تقريبا مجمعون على هذه السمة العدوانية في سلوك هذا الحيوان.
كما أن النمر معروف بطبيعته الأنانية، فعندما يقتل فريسة فإنه لا يأكلها في نفس المكان، بل يسحبها بسرعة إلى داخل الغابة حيث يمكنه أن يلتهمها هناك بمفرده ودون أن يُشرك معه حيوانا آخر.
لكن النمر في لوحة جيروم مختلف، فهو مصوّر بطريقة رائعة وكأنه خارج لتوّه من حكاية شرقية قديمة. وبعض مؤرّخي الرسم رأوا في اللوحة ما يشبه النبوءة بقرب أفول شمس الإمبراطورية العثمانية.
وأيّا تكن الرسالة، فإن جان ليون جيروم نجح في نيل استحسان النقّاد في زمانه، الذين أشادوا بمقدرته الفائقة في إخفاء أيّ اثر للفرشاة وفي إبراز أدقّ التفاصيل، كنوعية النسيج والفراء الناعم والأزهار وغيرها.
كان من عادة هذا الفنّان أن يختار لصوره أحداثا بعيدة في الزمان والمكان. وكان يفضّل غالبا رسم الأساطير الكلاسيكية والتاريخ القديم وثقافات بلدان الشرق الأوسط والحيوانات الغريبة.
وقبل جيروم بخمسين عاما، رسم الفنّان والشاعر الرومانسيّ الانجليزيّ وليام بليك صورة يظهر فيها نمر جميل وشرس مع بضعة أبيات شعرية متأمّلة تتغنّى "بعينيه ويديه الخالدتين" وبتناسق أعضائه ورعبه القاتل.
ثم يتساءل بليك: هل كان الربّ يبتسم عندما خلق النمر، وهل من خَلَقه هو نفس الربّ الذي خلق الحمل"؟! وبالنسبة لبليك فإن ما يجعل من النمر أعجوبة من أعاجيب الطبيعة ليس جماله، وإنّما شراسته وقوّته.
وأنت تتأمّل هذه اللوحة بألوانها الذهبية والأرجوانية البديعة، سيُخيّل إليك انك أمام مخلوق وديع وحالم. وهذا بالطبع تصوير مبالغ فيه ولا يمتّ إلى الواقع بصلة.
لكن في هذه الأيّام فإن للوحتي جيروم وبليك أهمّيّة ومغزى، خاصّة في ضوء تحذير العلماء من أن النمور يمكن أن تختفي من العالم نهائيا خلال العشر سنوات القادمة بسبب الصيد الجائر والظروف البيئية غير المواتية.

Credits
joslyn.org

Thursday, May 17, 2018

فانتازيا للمتعة


حدثت هذه القصّة منذ زمن طويل، طويل جدّا عندما كان العالم ما يزال في بداياته، صعبا وغير مضياف. كانت المخلوقات تجلس وتنتظر، تعرف أنها ينبغي أن تقتل لكي تعيش. والإنسان، المتفوّق على غيره من المخلوقات بذكائه، كان لا يغامر بالذهاب بعيدا عن مكانه، بل ولا يعرف حتى عن وجود قبائل أخرى بالجوار. كان يهاب التجوال خوفا من المجهول. وكان القانون الذي يحكم الحياة بسيطا: القويّ بظفر بكلّ شيء.
بهذه الكلمات يبدأ فيلم "مليون عام قبل الميلاد"، من إنتاج عام 1966. وبحسب هذا الفيلم، فإن البشر والديناصورات كانت تتعايش مع بعضها البعض على الأرض في عصور ما قبل التاريخ.
في ذلك الوقت، كان البشر واقعين بالكامل تحت سطوة الطبيعة، تتهدّدهم الديناصورات والحيوانات المفترسة التي تجوب الأرض، والبرد والظلام. ولم يكن الإنسان وقتها قد طوّر لغة. وكانت القبائل البشرية آنذاك قليلة ومتناثرة، والوسيلة الممكنة للتواصل والتفاهم كانت من خلال الضحك أو الصراخ أو بعض الإشارات والكلمات البسيطة والقليلة.
والفيلم يحكي عن رجل يقال له توماك من قبيلة بدائية تُدعى "قبيلة الحجارة"، في إشارة إلى أن أفرادها يسكنون الكهوف. وتوماك يعاقَب من قبل قبيلته البدائية بالنفي جزاءً له على قتل والده الذي كان يتمتّع باحترام القبيلة.
ثم يخرج توماك هائما على وجهه ويتعرّض لتهديدات السباع والضواري، فيصطاد بعضها ويأكلها لكي يعيش بينما يصارع السحالي العملاقة والعناكب السامّة اتقاءً لخطرها.
وفي نهاية الأمر يصل إلى جزيرة بركانية تقطنها قبيلة أخرى تُدعى "قبيلة الأصداف"، في إشارة إلى أن أفرادها يعيشون قريبا من البحر. وهذه القبيلة تبدو أكثر تحضرّا من قبيلته، مع أن الوحوش فيها أكثر من البشر. وطبيعة الجزيرة بكر لم يخرّبها الإنسان بعد، واللغة بسيطة عبارة عن غمغمات وهمهمات وحركات باليد والجسد.
وهناك يقابل توماك امرأة شقراء تُدعى لونا وتأخذه إلى قبيلتها. وفي الطريق يلوذ الاثنان بأعلى شجرة للاحتماء بها من خطر مجموعة من آكلي البشر. وتوماك ولونا يخيفهما كثيرا منظر آكلي البشر ويعرفان أنهما قطعا شوطا طويلا كي يصبحا بشرا وأن عليهما فعل المزيد إذا ما أرادا أن يُكتَب لهما البقاء.
ثم تتوالى في الفيلم قصص أخرى مشوّقة يتخلّلها من وقت لآخر لقطات لبركان ينفث دخانه ببطء في السماء، في ما يبدو وكأنه علامة على وقوع كارثة وشيكة.
ثم يعرف توماك أن شقيقه المسمّى ساكانا قد استولى على زعامة قبيلته بالقوّة. وهنا تحشد قبيلة الأصداف مقاتليها استعدادا للحرب مع قبيلة الحجارة بهدف خلع ساكانا ومعاقبته.
وأثناء احتدام القتال بين الطرفين، يقع زلزال ويثور البركان فجأة. وغضبُ الطبيعة يصيب القبيلتين معا ولا يوفّر أحدا. والناجون من الحرب يجدون أنفسهم في النهاية في طبيعة شبه مدمّرة، فيقرّرون أن يتسالموا ويتعاونوا مع بعضهم للبحث عن ارض جديدة تصلح للسكنى.
وينتهي الفيلم من حيث بدأت قصّة الصراع الإنسانيّ في تلك العصور الموغلة في القدم والذي ما يزال مستمرّا حتى اليوم.
الفيلم تمّ تصويره في جزر الكناري، حيث الطبيعة ما تزال تحتفظ ببعض سماتها البدائية. وموضوع الفيلم هو المجتمع وكيف أن البشر يقود بعضهم بعضا كي يصبحوا اشخاصاً أفضل. كما انه يتناول عواقب خروج الإنسان بمفردة إلى بيئة معادية.
لكن أحد المآخذ على الفيلم انه يتضمّن بعض الأنماط العنصرية. فقبيلة الأصداف متطوّرة وأفرادها شقر الشعور بيض البشرة، مقابل أفراد قبيلة الحجارة ذوي الوجوه السمراء والشعور السوداء المشعثّة. كما أن لدى قبيلة الأصداف رسوما على الكهوف وموسيقى وحليّا مصنوعة من الصَّدَف ولغة أكثر تطوّرا نسبيّا.
من جهة أخرى، يفترض العلم الحديث أن آخر الديناصورات الطائرة انقرضت من الأرض قبل أكثر من ستّة وستّين مليون عام، وأن البشر الحاليين - وهم امتداد للهوموسابيان أو الإنسان العاقل - لم يكن لهم وجود على الأرض إلا منذ مائتين أو ثلاثمائة ألف عام على أكثر تقدير.
لكن حجّة من يصنعون مثل هذه الأفلام لا تخلو من منطق. فهم يقولون أنهم لا يصنعون أفلامهم للعلماء ولا لأساتذة الجامعات، فهؤلاء أصلا لا يذهبون لرؤية مثل هذا النوعية من الأفلام. ويضيفون أن الغرض الأساس من مثل هذه القصص الفانتازية هو تسلية الناس وإمتاعهم في المقام الأوّل وليس حشو رؤوسهم بمعلومات مختلف حول صحّتها وليست مؤكّدة.
يمكن مشاهدة الفيلم على هذا الرابط .

Credits
variety.com

Thursday, May 10, 2018

سورويا والموضة


كان يواكين سورويا احد أكثر الرسّامين الإسبان رواجا وانتشارا في زمانه. وقد عُرف بقدرته على رسم أكثر المشاهد تلقائيةً في الحياة اليومية وبطريقة فيها الكثير من الحميمية والأناقة.
كانت عائلة سورويا عماد حياته. والصور التي رسمها لزوجته وابنتيه ما تزال من بين أكثر أعماله جاذبيةً وجمالا. منزل الرسّام في مدريد كان عصريّا هو الآخر. وقد بناه بحيث يوفّر لأسرته أعلى مستوى من الراحة والرفاهية.
والديكور الذي استخدمه في البيت كان يعكس الذوق السائد في ذلك الوقت، أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وكان يتضمّن قطع أثاث من طرز تاريخية متنوّعة بالإضافة إلى تصميمات حديثة.
كان سورويا يستمتع برؤية نفسه محاطا بعائلة حديثة. وكان هو وزوجته كلوتيلدا وابنتاه ماريا وايلينا يولون أهمية فائقة لأسلوب لباسهم، كما يظهر واضحا في صور الرسّام ورسائله. كما كانوا جميعا يتمتّعون بميل طبيعيّ للأناقة وللأسلوب العصريّ في اللباس والعيش.
وعندما كان يذهب في رحلات إلى خارج اسبانيا، لم يكن ينسى أن يعود محمّلا بالكثير من الهدايا لهم من ملابس واكسسوارات وغيرها من الأشياء التي رآها وأعجبته.
رسائل سورويا إلى زوجته عندما كان في رحلات إلى باريس تشي باهتمامه الكبير بالموضة، إذ يشرح لها الاتجاهات الجديدة في الموضة والملابس. كان يحبّ الملابس الصيفية ذات الألوان البيضاء الغارقة في ضوء الشمس والتي تهيمن على أعماله.
لكن زوجته وابنتيه كنّ متمسّكات بالأسلوب الاسبانيّ القديم في اللباس، أي شال فوق فستان اسود في مناسبات الزفاف أو الأعياد الدينية. وقد رسم زوجته كثيرا مرتدية ذلك الزيّ، لكنه أيضا رسمها في العديد من اللوحات وهي تمشي في الحديقة بفستان ابيض مع معطف اسود وقبّعة من ريش الطيور.


ولد يواكين سورويا في بلنسية عام 1893 وتعلّم الرسم على يد أكثر من فنّان. وفي سنّ الثامنة عشرة، سافر إلى مدريد وزار متحف برادو ودرس اللوحات التي كان يضمّها. ثم ابتُعث إلى روما ومنها إلى باريس التي تعرّف فيها على الرسم الحديث. وعند عودته إلى بلنسية، تزوّج من كلوتيلدا ديل كاستيللو التي تنتمي إلى عائلة ثريّة من الطبقة الوسطى.
وقد برع الفنّان في رسم البورتريه والمناظر الطبيعية، لذا عُرف برسّام الضوء لأنه كان يرسم غالبا في الهواء الطلق وتحت نور الشمس.
في ذلك الوقت كانت الطبقة الوسطى في اسبانيا تمرّ بفترة ازدهار، الأمر الذي أدّى إلى رواج رسم البورتريه واكتسابه شعبية إضافية.
كان سورويا معروفا باهتمامه بتفاصيل لباس شخوصه، وبالتدريج أصبح مؤرّخا عارفا بأحوال واتجاهات الموضة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين. ولوحاته توفّر سجلا دقيقا للتغييرات التي طرأت على ميول وتفضيلات الناس أثناء تلك الفترة في ما يتعلّق بالأزياء والمجوهرات.
ولم يكن يكلَّف فقط برسم العائلات البورجوازية، وإنما أيضا برسم العائلة الملكية الاسبانية. وهو في لوحاته التي رسمها لهؤلاء يكشف عن روح النخبة وأساليب وطرز اللباس التي كانوا يفضّلونها. وفي تلك البورتريهات، تقف النساء أمامه في أجمل وأحدث الملابس، لأن ذلك جزء مهمّ من أناقتهنّ. لكن سورويا لم يكن يركّز في صوره على جمال المظهر الخارجيّ، وإنّما أيضا على حركة الشخصية ومشاعرها الداخلية.
وقد اكتشف الرسّام الخصائص العلاجية لشواطئ اسبانيا ورسم الملابس العصرية التي يكثر مرآها في تلك النواحي مثل المظلات والقبّعات. وسورويا كان شاهدا على ذلك العصر، كما أن أفراد أسرته يستأثرون بغالبية صوره التي رسمها في البحر.
في زياراته لباريس، رسم سورويا مقاهي وشوارع المدينة، بالإضافة إلى دور السينما والأوبرا وغيرها من الأماكن التي جذبت اهتمامه. ولم يكن ينسى أن يزور الأماكن التي تعرض الأقمشة والابتكارات الحديثة في اللباس. وكان يشتري بعض ما يراه ويضمّنه في صوره.

Credits
museothyssen.org