:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, August 20, 2017

رمبراندت و ليستر: صورتان

في حوالي منتصف القرن السابع عشر، رسم كلّ من رمبراندت وجوديث ليستر لوحتين ستصبحان في ما بعد من أشهر البورتريهات الشخصية المألوفة في تاريخ الفنّ الهولنديّ والعالميّ.
للوهلة الأولى، يبدو البورتريهان متشابهين تماما. فكلّ من الرسّامَين رسم نفسه وهو ينظر مباشرة إلى المتلقّي. وكلا الصورتين مرسومتان بنصف طول. لكن نظرة مقرّبة من اللوحتين تكشف عن تباينات واضحة وتشير إلى واقعَين مختلفين.
فصورة ليستر لنفسها يمكن تفسيرها على أنها ترويج للذّات، في حين يبدو أن دافع رمبراندت من رسم شخصه هو رغبته في فهم نفسه كإنسان أوّلا وأخيرا. أي أن الفنّانَين اختارا أن يرسما نفسيهما من منظورين مختلفين تماما.
فرمبراندت رسم لنفسه صورة وهو يرتدي ملابس داكنة وغير مرتّبة إلى حدّ ما. قارن هذا بالطريقة التي رسمت بها ليستر نفسها بحيث لم تترك شكّاً حول طبيعة مهنتها. لقد رسمت نفسها وهي تعمل، يدها اليسرى تمسك بقماش الرسم وبأكثر من عشر فراشي للألوان. بينما يدها اليمنى تتأهّب لوضع اللون على القماش. ثم هناك ملابسها، فستانها الزهريّ والأسود الحديث بأكمامه وياقته الحريرية يوصل إحساسا بالثراء والرفاهية.
وكلّ هذه التفاصيل توحي بأن ليستر تريد أن تُبرز في لوحتها نجاحها كرسّامة. وبالمقابل فإن رمبراندت أهمل تماما هذه الأشياء المساعدة وفضّل أن يركّز اهتمامه على نفسه كشخص وكإنسان.
أيضا هناك استخدام كلّ من الرسّامين للألوان والأضواء بطريقة مختلفة. لاحظ كيف أن صورة رمبراندت لنفسه أحادية اللون تقريبا. الألوان المهيمنة على صورته هي عبارة عن درجات متفاوتة من البنّي القاتم مع لمسات خفيفة من الذهبيّ الذي يلمع من بين طيّات قبّعته. هناك أيضا ومضات ذهبية على شعره الرماديّ وعلى وجهه.
شخص رمبراندت في اللوحة ذو نوعية ضبابية، وإلى حدّ ما مُشعّة. أما الجزء السفليّ من جسمه، بما في ذلك اليدان، فيقع في الظلّ على نحو يذكّرنا بأسلوب كارافاجيو. وهذا التفصيل وظيفته جذب انتباه الناظر إلى وجهه الذي يُعتبر أهمّ جزء في اللوحة.
تركيز رمراندت على وجهه وملامحه يرمز للشخصية أكثر من المهنة. ولو انه أراد الإشارة إلى مهنته لركّز على رسم اليدين. أي انه أراد في هذا البورتريه أن يرسم نفسه كإنسان فحسب أكثر من كونه رسّاما.
لاحظ أيضا كيف انه وظّف تناوله للألوان والظلال لكي يضفي على عمله إحساسا بالعمق. رمبراندت أراد أن يخلق صورة واقعية لنفسه في فراغ ثلاثيّ الأبعاد، وهو هدف لطالما ناضل لتحقيقه في معظم أعماله. وفكرته هنا تتمثّل في اختياره التركيز على نفسه كموضوع وليس الترويج لنفسه كرسّام.
وبالمقابل، هناك الكثير من الألوان في بورتريه ليستر الشخصيّ، من الفستان الزهريّ والأسود، إلى أطراف الأكمام والياقة البيضاء. ثم هناك الطلاء الأخضر الخفيف لذراع الكرسيّ الذي تجلس عليه، بالإضافة إلى الأزرق الشاحب لزيّ عازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه. وعلى جانب من ياقتها الواسعة يمكن رؤية لمحة من ظلّ خفيف.

لكن اللوحة تفتقر إلى الإحساس بالبعد الثلاثيّ. وهناك أجزاء كبيرة من فراغ اللوحة تبدو مسطّحة بما فيها الجزء الأعلى من الفستان الأسود الناعم. وقلّة الأبعاد في لوحتها يوحي بأنها اهتمّت برسم التفاصيل التي تروّج لنفسها، مثل أدوات الرسم ووضعية الجلوس، أكثر من اهتمامها بإظهار فراغ إنسانيّ حقيقيّ.
الألوان في لوحة ليستر تعزّز هذه الروح الحيّة التي تضفي على البورتريه فرحا وثقة. إتّكاؤها على كرسيّها وابتسامتها يُظهِرانها بمزاج مريح ومسترخٍ. فمها مفتوح وحتى بعض أسنانها ظاهرة كما لو أنها تتكلّم أو تضحك، وهذا أمر غير مألوف عادة في البورتريهات الرسمية.
وعازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه يبدو انه، هو الآخر، مستمتع بمزاجها الفرح والواثق. وكلّ هذه التفاصيل يمكن أن تقدّم لمحة عن شخصية الرسّامة، كما أنها تشير إلى رغبتها في استخدام هذه الصورة كنوع من الدعاية والإعلان لنفسها.
من جهة أخرى، يبدو مزاج رمبراندت في لوحته حزينا إلى حدّ كبير. نظراته عميقة وقلقة مع تغضّنات بارزة في الجبين وبين الحاجبين وعلى الوجنتين. والانفعال العامّ في صورته هذه هو القلق والتوتّر. وفي تضادّ تامّ مع أجواء التفاؤل والثقة بالنفس في لوحة ليستر، يصوّر رمبراندت نفسه هنا ضعيفا وواهناً. ومن الواضح أن اهتمامه مُنصبّ على تصوير حالته الانفعالية أكثر من الدعاية لشخصه.
هناك أيضا شي آخر لافت، فـ ليستر رسمت نفسها على يسار الناظر، وهي وضعية عادة ما تكون مقتصرة على الرجال في لوحات القرن السابع عشر، كعلامة على الأهمّية والنفوذ. أما رمبراندت فقد رسم نفسه على يمين الناظر، وهذا يتوافق مع إحساسه بالكرب والهشاشة. هذه الوضعية تحيل انتباه الناظر مرّة أخرى إلى أهمّ عنصر في اللوحة، أي وجه الرسّام الذي ينظر بتوتّر واضح.
التفاصيل في كلّ من هاتين اللوحتين توحي باختلاف الواقع. ضربات الفرشاة في لوحة رمبراندت خشنة وقويّة، في الخلفية وعلى الوشاح. وهو لم ينسَ أن يرسم التجاعيد على جبهته، كما رسم خصلات شعره البيضاء التي تبدو غائمة ومشوّشة. وباختصار، صوّر رمبراندت ملامحه الخارجية تصويرا أمينا وواقعيّا.
لكن ماذا عن ليستر؟ لقد رسمت يديها ووجهها بنعومة واضحة، حتى أنها قامت بإخفاء الثنيات التي تظهر على الوجه والفم أثناء الابتسام. واستخدمت نفس النعومة في تصوير شعرها وياقتها وغطاء رأسها.
لكنها وظّفت فرشاة خشنة في أماكن أخرى، على تنّورتها الزهرية مثلا. ومن الواضح أنها استلهمت هذا النوع من ضربات الفرشاة من فرانز هولس الذي كان رسّاما مشهورا ومعاصرا للرسّامة.
وهي بهذا تريد أن تثبت أنها أتقنت أسلوب رسّام هولنديّ كبير، واضعةً نفسها في مكانة أعلى من تلك التي لمنافسيها. كما أنها تريد أن تثبت لمن يرى صورتها أنها يمكن أن تنجح وأن تبرز في مجال يهيمن عليه الرجال تقليديّا، أي الرسم.
أما رمبراندت فقد أراد من خلال ظلاله الثريّة والغامضة أن يكشف للناظر عن طبيعته الانفعالية والروحية بإبراز تفاصيل وجهه وملامحه التي نفّذها ببراعة وإحكام.

Credits
rembrandtpainting.net
rijksmuseum.nl

Tuesday, August 15, 2017

شولوكوف والدون الهادئ


عندما يُذكر اسم ميخائيل شولوكوف فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى روايته "الدون الهادئ" التي عمل عليها طوال خمسة عشر عاما ونال عليها جائزة نوبل للآداب عام 1965.
العنوان الحرفيّ للرواية الأصلية هو "هادئاً يفيض الدون"، وهو كما أظنّ عنوان أجمل من العنوان المعتمد في الترجمة العربية، أي "الدون الهادئ".
لكن، أوّلا، لماذا أصبحت هذه الرواية مهمّة ومشهورة؟
هناك سببان، أوّلهما أن شولوكوف، الذي كان عضوا في مجلس السوفيات الأعلى زمن خروتشوف، كتبها وعمره لا يتجاوز الحادية والعشرين. والسبب الثاني انه رغم انتماء الكاتب للحزب الشيوعيّ، إلا انه نأى بروايته تماما عن الايدولوجيا، وهذا هو سرّ النجاح الكبير للرواية.
كان شولوكوف يشعر بأهميّته ككاتب وكإنسان، كما كان عصيّا على الطاعة والانقياد، لذا لم يكن يتردّد في انتقاد أيّ احد. وشخصيّته إجمالا تلخّص السمات التقليدية التي تميّز سكّان جنوب روسيا الذي ينتمي إليه أيضا غوغول. كان شولوكوف وطنيّا متطرّفا، وهو أمر ليس بالمستغرب أو النادر بين الكتّاب والروائيين الروس.
وهو يصف منطقة نهر الدون بقوله: أحد شاطئي النهر جرف طباشيريّ اللون مرتفع، والشاطئ الآخر منخفض رمليّ تتناثر فيه برك صغيرة ماؤها دافئ أزرق لمّاع يستطيع المرء أن يسبح فيه لساعات".
وفي ثنايا الرواية، يتحدّث عن الربيع المبهج في الدون والطيور في بدايات الصيف والإوزّات الهادئة على أسطح البرك كجواهر مبعثرة، وعن البطّ الوحشيّ الذي يرسل صياحه بين الغدران الطافحة بالماء المتدفّق في الوادي، وعن طيور الماء المزقزقة في سماء الخريف والمرسلة صراخها فوق الأراضي البور الشاسعة.
تتألّف رواية "الدون الهادئ" من أربعة أجزاء كُتب أوّلها عام 1928، وهي تتناول ثلاثة أحداث رئيسية: الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية وثورة أكتوبر عام 1917.
والمؤلّف يعتمد في سرده على حقائق تاريخية وأماكن جغرافية حقيقية وبشر واقعيين.
تبدأ الرواية أثناء الحرب الأولى في قرية تقع على ضفاف نهر الدون. البطل، غريغوري مليكوف، يعيش هنا مع عائلته ذات الأصول التتارية والتي تتألّف من والديه وشقيقته وأخيه المتزوّج.
وغريغوري واقع في هوى امرأة متزوّجة تُدعى اكسينيا ذهب زوجها إلى الجبهة للمشاركة في الحرب. لكن الأهالي غير سعداء بتلك العلاقة، كما أن والده يريد تزويجه من ناتاليا التي تنتمي إلى عائلة موسرة ومعروفة.
وأخيرا يتزوّج غريغوري فعلا من ناتاليا، لكنه لا يشعر معها بالسعادة رغم كونها امرأة طيّبة ووفيّة. وبعد بضع سنوات يعود إلى اكسينيا.
في تلك الأثناء، تبدأ طلائع الشيوعيين بالظهور في القرية معلنين أنهم يحاربون من اجل تحقيق العدالة والمساواة. ويقرّر غريغوري الهرب مع اكسينيا وينتهي بهما المطاف في حقل يملكه ضابط جيش متقاعد يستأجرهما للعمل في حقله.
وبعد فترة تأتيه رسالة من زوجته ناتاليا تبلغه فيها بأنها وضعت مولودة أنثى وتطلب منه أن يهجر اكسينيا ويعود ليهتمّ بها وبطفلتهما. لكنه يرفض، فتحاول ناتاليا أن تقتل نفسها.


تمرّ الأيّام ويتمّ تجنيد غريغوري في الجيش، لكنه يشعر بالقرف من عمليات القتل وسفك الدماء التي يراها، مع انه هو نفسه جُرح مرارا وتمّ تكريمه بسبب ما أبداه من بسالة. ثم تأتيه رسالة من ناتاليا تفيد بوفاة ابنته.
اكسينيا التي تُركت لوحدها في الحقل تشعر الآن بالوحدة واليأس. لذا يقوم ابن صاحب الحقل بمحاولة التقرّب منها. لكن غريغوري يكتشف ذلك، فيقرّر إنهاء علاقته بها والعودة إلى قريته وزوجته.
وبعد فترة تضع ناتاليا توأما، بنتا وولدا. وشيئا فشيئا يبدأ الجند بالشعور بالإنهاك ويعتقد الجميع أن الحرب توشك على أن تضع أوزارها. لكن تلك الآمال سرعان ما تتبدّد مع تفجّر الحرب الأهلية الروسية ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية.
وهنا يختار غريغوري أن ينضمّ إلى البلاشفة، لأنه هو نفسه يحارب مظاهر الظلم الاجتماعيّ وانعدام العدالة.
ورغم إيمان غريغوري القويّ بتلك المبادئ، إلا أن آماله سرعان ما تنهار عندما يُصدم بمقتل ضابطين من المعسكر المعادي. وعندما يعود إلى البيت، يقرّر أن يقاتل في صفوف الطرف الآخر. ومع ذلك لا يشعر بالرضا، لأنه يرى أن كلا طرفي الحرب الأهلية مستمرّان في ارتكاب الجرائم.
وفي تلك الأثناء، يتزوّج ابن الضابط المتقاعد امرأة أخرى ويهجر اكسينيا التي تعود بدورها إلى زوجها الذي عاد الآن من الأسر. ثم تكتشف ناتاليا أنها حامل للمرّة الثالثة، لكنها غير سعيدة بالحمل فتقرّر إجهاض نفسها وتموت أثناء محاولتها تلك.
غريغوري الآن يشعر بالإحباط والحزن الشديد جرّاء وفاة زوجته. ثم يقابل ابن أخيه الذي أصبح قائدا لفرقة البلاشفة في قريته، ويقرّر غريغوري الانضمام إليهم. ثم لا يلبث أن يتركهم ويلتحق بإحدى العصابات، لكنه يترك العصابة أيضا.
في نهاية الرواية، يقرّر البطل العودة إلى اكسينيا. وبسبب امتداد رقعة الحرب، يقرّر الاثنان الهرب إلى مكان آمن، لكن كمينا يُنصب لهما في الطريق فتُقتل اكسينيا. وبينما هو يدفن جثّتها، يدرك كم أن الحياة عبثية وتعيسة وغير منصفة.
غريغوري مليكوف، الإنسان الطيّب والمحبّ للعدالة، كان يبحث عن السعادة طوال عمره، لكنه لم يجدها. زوجته الوفيّة كانت نهايتها مأساوية. وحبّه العظيم لاكسينيا انتهى بمقتلها، وتلك الحادثة أيضا أدّت إلى تدميره هو.
وغاية شولوكوف من الرواية هي إظهار وحشية الحروب التي تحطّم حياة البشر وتشتّت العائلات وتباعد ما بين المحبّين.
ذات مرّة، وصف خروتشوف شولوكوف بأنه فنّان لامع وواصف فذّ. وفي عيد ميلاد الأخير، جاءه خروتشوف بنفسه في حفل عظيم ووشّح صدره بوسام ومنحه جائزة مالية ثم صحبه معه في رحلته إلى أمريكا.
المعروف أن رواية "الدون الهادئ" وجدت طريقها إلى السينما ثلاث مرّات، كانت آخرها في فيلم أخرجه سيرغي غيراسيموف ولقي ترحيبا عالميّا ونال العديد من الجوائز.

Credits
the-tls.co.uk

Thursday, August 10, 2017

تكبيليك: سُلطان القلوب


من الأشياء الجميلة التي اكتشفتها في أوّل عهدي بالانترنت موسيقى الفنّان التركيّ عمر فاروق تكبيليك. عذوبة ألحانه وأناقة توزيعه الموسيقيّ ومزجه الرائع بين الموسيقى العربية والتركية والفارسية واليونانية والاسبانية، بل وحتى موسيقى الجاز الأمريكيّ، هي من أهمّ سمات موسيقاه.
في تلك الفترة، لم يكن تكبيليك قد اصدر سوى ألبوم أو اثنين، وأتذكّر أن عنوان أحدهما "ألِف"، وهو عنوان جميل وذو دلالة خاصّة، فالألِف هو أوّل حروف الأبجدية العربية، كما انه أوّل أحرف لفظ الجلالة "الله".
وفي السنوات التالية وحتى الآن، أصدر العديد من المجموعات الموسيقية التي يربو عددها اليوم على السبع.
في معظم صوره على الانترنت، يظهر تكبيليك وهو يعزف على الناي. وهو يتعامل مع هذه الآلة بطريقة ناعمة وحالمة. وقد تعلّم عزف الناي وهو في سنّ الثامنة، وفي الثانية عشرة أصبح يعزفه بحرفيّة. كما تلقّى دروسا على يد أشهر الموسيقيين الأتراك، مثل عصمت سيرال وأورهان كنج بيه وهو عازف وتريات وأحد ابرز ممثّلي الموسيقى المسمّاة بالأرابيسك.
وما من شكّ في أن تكبيليك هو احد الموسيقيين الروّاد الذين أسهموا في نشر موسيقى الشرق في البلدان الغربية. كما أن استخدامه للعود والزورنا والقانون والباجلاما والناي ببراعة، أسهم في انتشار وشعبية هذه الآلات الشرقية في الغرب.
ولد عمر فاروق تكبيليك عام 1950 في بلدة اضنة التركية القريبة من الحدود مع سوريا لأب تركيّ وأمّ مصرية. والمعروف أن هذه المدينة ظلّت دائما نقطة اتصال على الحدود بين الإمبراطورية الرومانية وعالم الشرق. لذا كان هناك على الدوام امتزاج ثقافيّ، بالإضافة إلى أن اضنة مشهورة بكثرة الموسيقيّين فيها.
ومنذ صغره اعتاد تكبيليك الاستماع إلى أغاني التراث الصوفيّ. وهو ما يزال يتذكّر كيف كان يستلقي على العشب في مروج الأناضول وهو طفل بينما كان يرعى الغنم ويعزف الناي.
وارتباط عمر فاروق بالتراث الصوفيّ واضح في أعماله. وهو يرى أن الروحانية والموسيقى عنصران متلازمان. "المتصوّفة يؤمنون بالوحدانية، وأينما نظر الصوفيّ فإنه يرى الله. وبالنسبة لي، الموسيقى نوع من العبادة وطريقة للاتصال بالخالق عزّ وجلّ".


في سنوات طفولته، أرسله والده للدراسة في مدرسة دينية. وبعد سبع سنوات تخرّج وعُيّن إمام مسجد. لكن شغفه بالموسيقى أنساه كلّ شيء. "لقد باركني الله في اللحظة المناسبة عندما بدأت الأشياء تتّضح لي، وما كنت اطمح به حقّقه ربّي لي في النهاية".
كانت الموسيقى تصدح في منزل والديه المتديّنين . "كان أبي يستمع إلى إذاعة القاهرة من مذياعه الصغير، وكان على دراية بكافّة أنواع المقامات الموسيقية".
وعندما انتقل عمر إلى اسطنبول، قابل هناك بعض دراويش المولوية، وهي طريقة صوفية قديمة ومشهورة في تركيا. وقد راقته كثيرا طريقة مزجهم للشعر والموسيقى والرقص، وكان لذلك تأثير كبير عليه من الناحية الوجدانية والموسيقية. "إن الله هو أعظم عازف على الإطلاق، وموسيقاه تتردّد في كلّ زاوية من أرجاء هذا الكون، ونحن نسمعها في كلّ حين، وفي النهاية ما نحن سوى نفحة من روح الله".
سجّل تكبيليك وأدّى ألحانه مع موسيقيين آخرين مشهورين، مثل نصرت فاتح علي خان وسيمون شاهين وعابدة برفين. كما تعرّف في الولايات المتحدة، حيث يعيش اليوم، إلى الموسيقيّ والعازف الأمريكيّ برايان كين.
كان كين وقتها يبحث عن موسيقيين كي يشاركوه في تأليف الموسيقى التصويرية لفيلم عن حياة سليمان القانونيّ. وكان تكبيليك في ذلك الوقت يعزف مع فرقة تُدعى "السلاطين". وقد كان عمله في ذلك الفيلم ناجحا جدّا واستمرّ تعاونه مع كين منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
يقول تكبيليك ردّا على سؤال عن هويّة موسيقاه: في الأساس موسيقاي تأتي من بلاد الهلال الخصيب. لكن هذه الأيّام لا توجد حدود، وأنا اعزف موسيقى من تركيا إلى المغرب. الموسيقى عابرة للقوميات، وأنا لا اشعر أنني انتمي إلى بلد معيّن ولا أفتخر بجنسية محدّدة. اشكر بلدي تركيا للأشياء التي منحتني إيّاها، لكني لست موسيقيّا تركيّا".
ويضيف: احمد الله على أن كلّ إنسان يستمع إلى موسيقاي يتماهي معها ويشعر انه ينتمي إليها. إننا جميعا بشر وأبناء آدم، والمشتركات التي تجمعنا كثيرة جدّا. ولا يجب أن ننسى أن البشر مصنوعون من إيقاع ونغم، ونحن نبحث عن التناغم في كلّ شيء".

Credits
omarfaruktekbilek.com