:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Wednesday, November 15, 2017

حديقة تولستوي

توفّي تولستوي قبل زهاء المائة عام، أي في العشرين من نوفمبر عام 1910، وأصبح اسمه في العالم مرادفا لعظمة الأدب الروسيّ.
لكن في روسيا، ما تزال فلسفته ودعوته لنبذ العنف وترجماته المتحرّرة للإنجيل تثير نقاشا واسعا.
في عام 1910، قرّرت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التبرّؤ من الكاتب. وفي الذكرى المئوية لوفاته، رفضت الكنيسة العديد من الالتماسات كي تعيد النظر في قرارها.
وفي الحقيقة لو كان تولستوي ما يزال حيّا لما انزعج كثيرا من هذا الموقف، فقوّة موهبته منحته فرصة فريدة كي يسلك طريقه الخاصّ ويحتفل بالحياة بكلّ تجلّياتها على طريقته.
قراءة تولستوي توفّر للمرء متعة عظيمة، وكلّما قرأت له تضاعفت تلك المتعة، فكلماته تولّد روائح وأصواتا واهتزازات في المشاعر والأمزجة. وكلماته أكثر اتّساعا من أيّ عقيدة فلسفية وأكثر أهمّية حتى من الكاتب نفسه.
في كلّ الأدب، ربّما، لا يوجد كاتب منح العالم أعمالا تثير الإعجاب بقوّتها وبالخوف من صدقها مثلما فعل تولستوي. مارسيل بروست اعتبره والده الروحيّ، وهو يهيمن على أفكاره وعلى أحداث رواياته.
تولستوي كاتب عظيم، لأنه يمنح الحرّيّة لأبطاله. وهم، إذ يدخلون ذاكرتنا، يصبحون أكثر حيويةً من الحياة نفسها: الحفلة الأولى لناتاشا في "الحرب والسّلام"، سباق الخيول في "آنّا كارينينا"، مرض وموت "إيفان ايليتش"؛ كلّ هذه الأحداث تملأ القارئ بالمتعة وأيضا بالخوف من مواجهة تبعات الوجود نفسه.
أحيانا يبدو كما لو أن تولستوي وُلد كي يقلب قواعد الأدب رأسا على عقب. وهو لم يكن يميل كثيرا إلى النقاشات الأدبية. ولم يكن يحبّ كتّاباً مثل دانتي وشكسبير وبوشكين، بل أنكر عظمتهم وتناولهم بأحكامه النقدية القاسية.
كان، مثلا، يرى أن شكسبير لم يكن كاتبا عبقريّا. بل لقد فعل كلّ ما بوسعه لتقويض مكانته في الأوساط الأدبيّة. ووصَف مسرحياته بأنها "رديئة وعديمة المتعة وغير أخلاقية وتفتقر إلى الجاذبية الفنّية". ورغم أن آراءه تلك عن شكسبير لم تكن تلقى تأييدا معتبرا، إلا انه ظلّ متمسّكا بها طوال حياته.
كما أن موقف تولستوي من بوشكين كان، هو أيضا، مثيرا للجدل. كان يرى أن شاعر روسيا الأشهر لا يستحقّ أن يعامَل ككنز أدبيّ وطنيّ، لأن أشعاره "عديمة القيمة والأهمّية". وما أدّى إلى توسيع الخلاف بينهما أكثر حقيقة أن بوشكين كان مفتونا بشكسبير الذي كان تولستوي يمقته بشدّة.
وهناك أيضا علاقة تولستوي الملتبسة بأنطون تشيكوف. كان الاثنان صديقين حميمين، وكان كلّ منهما معجبا بكتابات الآخر. لكن هذا لم يمنع تولستوي من انتقاد صديقه بعنف أحيانا.
يروي تشيكوف انه زار تولستوي في بيته ذات يوم ووجده منهكا بسبب المرض. "تحدّثنا في العديد من المواضيع، ثم أثنى على بعض أعمالي قائلا إنها تستحقّ أن تُقرأ مرارا. لكن بينما كنت أهمّ بالانصراف، أمسك بي من ذراعي ثم قبّلني مودّعا، وهمس لي بصوت خفيض قائلا: أنت تعلم أنّني اكره مسرحياتك. شكسبير كان كاتبا رديئا. وأنا اعتبر أن مسرحياتك أسوأ حتى من مسرحيّاته".

في رواياته، وصف تولستوي فظائع الحرب، لكن شخصيّته كانت ميّالة للخصام، بدليل علاقته المضطربة مع زوجته صوفيّا اندرييفنا. وأفكاره النباتية وميله لحياة الفلاحين أصبحت فيما بعد مادّة للدعابة.
ذات مرّة، كتبت اندريه جيد مقالا عن دستويفسكي وكيف أن تولستوي حجب عظمته، لكن مع مرور الوقت فإن النظرة السائدة بين المثقّفين هي أن جبل دستويفسكي كان أعلى من جبل تولستوي".
كان لدى دستويفسكي أهداف واضحة وأفعال محدّدة. تنفتح الستارة فنرى كيف أن عالَما بلا إله يقود إلى الخطيئة والشرّ، والجريمة تصبح عقابا. وبالمقابل يدفع تولستوي بـ آنّا كارينينا لأن تلقي بنفسها تحت قضبان القطار. ولا يشرح لأيّة غاية. عقوبة؟ مأساة كبيرة؟ مصير امرأة ساقطة؟ تيّار وعي هذيانيّ؟ لا توجد إجابة واضحة، لأن منطق تولستوي يقول: إذهب إلى الشرطة ولا تذهب إلى الكاتب.
في كتابات دستويفسكي، الحياة تفسد الأفكار مثلما تنفجر قنبلة وتحصد حياة الأمير اندريه بولكونسكي. وروايات تولستوي تخرج من التفاصيل الصغيرة في مفكّرته اليومية، وتتشكّل من النميمة الاجتماعية ومن انطباعات الطفولة وأساطير العائلة. انه يسقي حديقته، ثم تنمو فيها شجرة تطرح فاكهة سماويّة لذيذة وعطرة ولزجة ومتفرّدة.
الواقعية الاشتراكية حاولت أن تتودّد إلى تولستوي وتمنّت لو تقلّد أسلوبه لكي تقلب به العالم. لكنّه بالتحديد كان كاتبا لا يمكن تقليده. فلكي تكتب مثل تولستوي، يتعيّن أن تكون "كونت" صعب المذاق وفردانيّا.
في نهاية حياته، أصبح تولستوي ينتقد الثناء المفرط على "الحرب والسّلام" و "آنا كارينينا" قائلا "إن الأمر يشبه أن تثني على طبيب عظيم لأنه يرقص المازوركا".
هل أساء تولستوي فهم نفسه وطبيعته كمبدع؟
في النهاية، أصبح "تولستوي الواعظ" في حالة صراع مع "تولستوي الأديب الموهوب". نظريّته عن المقاومة غير العنيفة ألهمت غاندي وكشفت عن الجذور الشرقية للفكر الروسيّ.
لكن تولستوي الذي أُحبّه هو الإنسان المتشكّك، والمتعلّق بالمتع، والمتحوّل باستمرار. أحبّ وجهه المتغضّن ولحيته الكثّة وبحثه الطفوليّ عن عصا خضراء سحرية في الغابة التي تخبّئ مفتاح سعادة العالم.
رحيله السرّيّ الأخير من "ياسنايا بوليانا" اُعتبر ذروة الجنون وخلق انطباعا بأن الوقت قد حان كي يلقي الكاتب بنفسه أسفل القطار.
مؤخّرا زرت ضيعته التي تبعد عن جنوب موسكو مسافة مائة كيلومتر وتجوّلت في منزله متأمّلا أثاثه وبقيّة محتويات عشّه الارستقراطيّ. وفجأة فهمت من أين أتت "الحرب والسّلام". لقد كانت محصّلة للأيّام الطويلة والهادئة التي كان يقضيها في ضيعته الريفية مع طقوس سماور الشاي والمشي في الهواء الطلق.
عند بوّابة الضيعة كان هناك حارسان. سألتهما إن كانا قرآ "الحرب والسّلام" فأجابا: نعم، في المدرسة".
بدون تولستوي، كانت الحياة ستبدو أكثر فقرا وشحوبا. عباراته وملاحظاته الملتوية مثل جذور شجرة لم يكتبها لنفسه فقط، وإنّما أرادها أن تكون رسالة للأجيال القادمة أيضا.

Credits
online-literature.com

Sunday, November 12, 2017

لُوفر أبو ظبي


أن يُشيّد في عاصمة عربية، وخليجية بالتحديد، فرع لمتحف عالميّ مشهور كاللوفر هي ولا شكّ فكرة رائعة.
غير أن هذه الفكرة ليست بالجديدة تماما، فالعديد من المتاحف العالمية المشهورة سبق أن فتحت لها فروعا في دول أخرى. وبفضل مثل هذه المشاريع، تحوّلت مدن كانت مغمورة أو شبه منسيّة إلى مناطق جذب ثقافيّ يقصدها المهتمّون برؤية كنوز الفنّ العالميّ.
وفي مدينة مثل أبو ظبي، الممتلئة بناطحات السحاب المشيّدة من الخرسانة والحديد والزجاج، كان لا بدّ من وجود صرح آخر يوازن بين ما هو تجاريّ وثقافيّ.
ويُنتظَر أن يضيف المتحف الكثير إلى القوّة الناعمة لدولة الإمارات ويحوّل العاصمة إلى مدينة للتسامح الحضاريّ وجسر بين الحضارات المختلفة.
وأبو ظبي ليست الوحيدة في منطقة الخليج من حيث تركيزها على التاريخ والثقافة، فقد سبقتها كلّ من سلطنة عمان وإمارة دبي اللتين افتتحتا في السنوات الأخيرة دُوراً للأوبرا وقاعات للموسيقى الكلاسيكية.
ولوفر أبو ظبي هو أوّل فرع لمتحف اللوفر يُدشّن خارج فرنسا. ويقال أنه المتحف الأغلى في العالم حتى الآن، إذ اُنفق على إنشائه حوالي بليون دولار أمريكيّ. لكن هذا ليس بالمبلغ الكثير إذا ما أخذنا في الاعتبار مردوده الكبير، من حيث أنه سيغيّر صورة هذه المدينة وسيضيف إلى جاذبيّتها السياحية والتجارية بُعدا ثقافيا وحضاريا.
وسيعمل المتحف كمؤسّسة مستقلّة على الرغم من انه سيحمل اسم اللوفر للثلاثين عاما القادمة، كما تنصّ الاتفاقية. وقد بُديء العمل فيه عام 2007 وكُلّف بوضع تصميمه مهندس فرنسيّ مشهور هو جان نوفيل.
وحسب نوفيل، المعروف بشغفه بالمتاحف والذي سبق له أن صمّم متحف قطر الوطنيّ، فإن المبدأ الذي اعتمده في التصميم هو ضرورة أن ينتمي المتحف إلى الجغرافيا والثقافة المحليّة وإلى هويّة البلد الحاضن.
وقد روعي في التصميم طبيعة التراث والبيئة المحلية الإماراتية بحيث تتفاعل في المكان السماء الضخمة مع أفق البحر وأرض الصحراء. والمتحف أشبه ما يكون بأرخبيل في البحر تعلوه قبّة ضخمة على شكل مظلّة مشيّدة من الفضّة والحديد والألمنيوم.
والقبّة الفضّية مزيّنة بأنماط ارابيسك على هيئة نجوم تطفو فوق الغاليريهات منتجةً ما يشبه المطر الضوئيّ، بحسب وصف المصمّم. ولكي يصل الضوء إلى الطابق الأرضيّ، يجب أن يعبر ثمان طبقات من الثقوب التي تنتج أنماطا متحوّلة تحاكي ظلال أشجار النخيل المتشابكة في واحات الإمارات أو أسطح الأسواق التراثية العربية.
وقد واكب المشروع في بداياته نقاش فرنسيّ واسع تركّز حول مخاطر إقراض الكنوز الوطنية إلى بلد شرق أوسطيّ مقابل أموال البترول. وجزء من السجال كان يدور حول الظروف المناخية في الإمارات واحتمال تلف القطع الفنّية أثناء نقلها إلى أماكن بعيدة.
لكن في النهاية انتصرت فكرة المشروع بعد أن التزمت الجهات الإماراتية باتخاذ تدابير احترازية لحماية القطع الفنّية من العوامل المناخية في بلد تصل فيه درجة الحرارة إلى أكثر من أربعين درجة مئوية صيفاً.
ومنذ الإعلان عن افتتاح لوفر أبو ظبي في سبتمبر الماضي، ازدادت وتيرة الرحلات الجويّة من باريس إلى أبو ظبي لنقل المعروضات الفنّية كي تصبح جاهزة يوم الافتتاح. وقد حصل المتحف الناشئ على أكثر من ستمائة عمل فنّي من ثلاثة عشر متحف فرنسيا بالإضافة إلى اللوفر، بينما استعيرت أعمال أخرى من مجموعات فنّية خاصّة من أكثر من مكان.
وخُصّص جزء صغير من المتحف لأعمال الفنّ الحديث والمعاصر. أما الجزء الأكبر فيعرض أعمالا فنّية من عدّة أماكن تتناول تاريخ وأديان العالم.
ومن بين القطع المعروضة الآن بورتريه لفان غوخ ولوحة لإدوار مانيه وأخرى لجاك لوي دافيد ولوحة لدافنشي وأخرى لجون ويسلر، بالإضافة إلى أعمال للرسّام الهولنديّ بيت موندريان والتركيّ عثمان حمدي بيه. ومن بين المنحوتات المعروضة تمثال لأبي الهول يعود تاريخه إلى القرن السادس قبل الميلاد وأعمدة رومانية قديمة مزيّنة بنقوش وزخارف.
لوفر ابو ظبي مشروع حضاريّ واعد. وربّما سيمضي بعض الوقت قبل أن يكتسب المتحف صورته أو ماركته المميّزة. لكن المسئولين عنه مقتنعون بأنه سينجح في تقديم صورة بصرية شاملة عن تاريخ العالم وسيوفّر جسرا للحوار بين الثقافات.

Friday, November 10, 2017

ناسج الأحلام


أينما نظرت في لوحات هنري ماتيس ستجد أنسجة وأقمشة وأنماطا من كلّ شكل ولون. كان يحيط نفسه بكلّ شيء: أزهار ونباتات حيّة، اسماك في أحواض، عصافير في أقفاص، بلاط مزخرف وأواني وأشكال جبسية مختلفة وأقمشة ونُسُج ومطرّزات من مختلف الأنماط والأشكال والألوان.
وقد جمع الرسّام كلّ هذه الأشياء خلال أسفاره العديدة وكان يحتفظ بها باعتبارها موارد مفيدة ولا غنى عنها لمكتبته البصرية. ثم وجدت طريقها إلى لوحاته ورسوماته التي يتداخل في نسيجها السجّاد والقماش الفاخر من كلّ شكل ولون.
كان رسّامون مثل فان غوخ وسيزان وفويار يستخدمون الأنماط والأنسجة الورقية والإيقاعية في لوحاتهم لتكثيف الإحساس الذي تمنحه صورهم للناظر. لكن ماتيس ذهب خطوة ابعد بإعادة إنتاج الأنسجة الناعمة والألوان البديعة للحرير والقطن والمخمل والتافتا والتطريز بطريقة لم يسبقه إليها احد.
لكن من أين جاء عشقه للأقمشة وألوانها وأنماطها المختلفة؟
ولد ماتيس ونشأ في بلدة في شمال فرنسا ملاصقة للحدود مع بلجيكا. وكانت البلدة مشهورة بصناعتها للأقمشة الفاخرة التي كانت تعتمد عليها شركات صنع الملابس في فرنسا.
وعائلة والده كانوا من النسّاجين. ومن هنا على الأرجح ولد حبّه للأقمشة. غير أن أهل بلدته لم يكونوا يهتمّون بالفنّ خارج صناعة النسيج. كانوا ينظرون إلى حرفتهم كمصدر للرزق فقط ولم يكونوا يعتبرون الأقمشة ذات صلة بالفنّ.
في سنّ العشرين، انتقل ماتيس إلى باريس. وفي مرحلة تالية استقرّ في جنوب فرنسا التي أحبّ ألوانها الساطعة ومناخها الدافئ.
وفي لوحاته الكثيرة التي رسمها طوال فترة اشتغاله بالرسم يمكنك أن تلاحظ استخدامه الوفير للأنسجة والتصاميم المختلفة. كما انه كان أيضا شديد الاهتمام بالموضة وبصناعة الأزياء في باريس. وكان يحتفظ على الدوام بمجموعة خاصّة من الملابس والأنسجة والإكسسوارات التي وجدها في الكثير من الأمكنة التي ذهب إليها.
والعديد من لوحاته تُظهر كيف كان ماتيس يوظّف تصاميم الأقمشة فيها. مثلا لوحته بعنوان حياة ساكنة مع سجّادة حمراء هي في الأساس عن الأقمشة وألوانها وأنماطها الزخرفية المتنوّعة.

ولوحته بعنوان شال مانيللا تُظهر ولعه بالملابس ذات الألوان القشيبة التي طالما جمعها. المرأة في هذه اللوحة تبدو كما لو أنها تستعرض ملابسها ذات الأنماط الزهرية والخضراء والحمراء والبنّية الجميلة.
أما لوحته بعنوان البلوزة الرومانية الخضراء فهي عن اللون الأخضر أكثر من كونها عن المرأة التي تظهر فيها. ومع ذلك بإمكانك أن تعرف أشياء عن شخصية هذه المرأة من الاسكتش البسيط الذي رسمه ماتيس لوجهها ولطريقة جلوسها.
وفي لوحة أخرى بعنوان ديكور وأزهار وطائرا ببّغاء صغيران ، يملأ الفنّان فراغ اللوحة بالأقمشة والأشكال المختلفة متذكّرا رحلته التي قام بها إلى المغرب عام 1912. غطاء المائدة الأصفر تستقرّ عليه ليمونتان وكوب شاي ومزهرية.
وفي نهاية المائدة قفص مذهّب بداخله طائرا ببّغاء بلون اخضر وأصفر. أيضا هناك الأنماط الجميلة على الأرضية والباب والجدار الخلفي. الأقمشة الكثيرة في هذه اللوحة تجسّد ذوق ماتيس في التصميم الداخليّ. والألوان الساطعة فيها هي أيضا تذكير بحبّه لمنطقة جنوب فرنسا.
وفي لوحته جارية جالسة مع خلفية زخرفية ، نرى الأقمشة والأشكال المختلفة تملأ الغرفة بالألوان. الأنماط على الجدار الخلفيّ تتناغم مع الأشكال الظاهرة على فستان المرأة، بينما الأشكال على الصحن والكأس تتوافق مع الأنماط الظاهرة عند قدميها. وإلمام ماتيس بهذه الأنماط لم يتحقّق إلا بعد زيارته إلى المغرب.
في لوحته ديكور مع كلب ، نرى المزيد من الأنماط التعبيرية والألوان القويّة التي تحمل سمات ألوان الرسّام من المرحلة الوحوشية. الأشكال البسيطة لخلفية اللافندر الرائعة تبرز منها أشكال مبسّطة لأوراق خضراء، وفرشاة الفنّان تضفي على المنظر مزيدا من الحيوية والتناغم.
وفي لوحة رداء ارجواني مع شقائق النعمان ، يبرهن ماتيس مرّة أخرى على براعته في استخدام الألوان والأنماط. الخطوط المرسومة على الرداء الأرجوانيّ تضاهي ديكور الجدار الفضّيّ والبرتقاليّ في الخلفية. وهذه الموجات اللونية الناعمة تتجانب معا في مقابل الخطوط السوداء والرمادية القويّة على الجدار وعلى الأرضية.
وفي لوحة حياة ساكنة: باقة ورد وطبق فاكهة ، يرسم ماتيس باقة ورد ناعمة من الألوان الأصفر والمشمشيّ والزهريّ. وبنفس النعومة يرسم الأشكال السوداء على ورق الحائط وعلى أنماط الأزهار على المائدة. واللافت أن الرسّام ضمّن المنظر طبق فاكهة مع حمضيات، في ما يبدو وكأنه إشادة بزميله الحداثيّ الآخر بول سيزان.

عندما انتقل ماتيس إلى نيس حوّل محترفه إلى ما يشبه المسرح الصغير. ولطالما ألبس عارضاته الفساتين وأغطية الرأس العربية وبناطيل الحريم والثياب المغربية المقصّبة ذات الأزرار الصغيرة.
وكان يُجلسهنّ في دواوين مليئة بالسجّاد والأرائك والطاولات ذات الأنسجة المشرقية الجميلة، مع مشربيات وستائر مصرية يمكن تمييزها من ألوانها الخضراء والحمراء الغميقة. وفي بعض لوحاته الأخرى، نقل صورا لأقمشة أخرى من رومانيا وطنجة وإيران والجزائر وتركيا وغيرها.
لوحته بعنوان قماش مائدة ازرق تصوّر حياة ساكنة تقليدية مع إبريق قهوة وطبق فاكهة. لكن أهمّ تفصيل فيها هو قماش المائدة الذي كان من ضمن أشيائه الخاصّة، وهو عبارة عن قطعة من الحرير الفرنسيّ يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر وتتميّز بلونها الأزرق مع موتيف متكرّر عبارة عن سلّة أزهار. خلفية القماش في اللوحة تصبح خضراء بلون البحر وكأن اللوحة بأكملها هي عبارة عن قطعة قماش.
وبقدر ما رسم ماتيس من أشياء فإنه أيضا كان يرسم مناظر. ونحن نرى الأنماط والألوان والأقمشة والتطريز كصفات للأشياء التي كان يرسمها وللوحة نفسها، كما لو انه كان يتعامل مع أكثر من واقع بنفس الوقت.
لوحات ماتيس هذه التي تحتشد بالأقمشة والنسيج والأنماط والألوان الزاهية ترسم صورة لرجل كان في حالة سلام مع العالم من حوله ومع نفسه. وصور الرسّام الفوتوغرافية الموجودة على الانترنت يظهر فيها بهيئة رجل مهذّب ذي لحية بيضاء يجلس وسط الحمام والقطط في غرفة مليئة بالضوء وعلى جدرانها صور لنقوش وأنماط جميلة.
لكن هذه الصورة لا تعكس طبيعة ماتيس بالضرورة. فقد كان إنسانا عصبيّا وعرضة للمرض بشكل دائم. لكن يبدو أن فنّه المتفرّد كان ثمرة للمتعة التي كان يشعر بها وهو ينظر إلى الجانب المشرق من الحياة، وفي نفس الوقت كان انعكاسا لاحتفائه الذي لم تكن تحدّه حدود بالضوء واللون والجسد والشكل وبتفاصيل الحياة بشكل عام.

Credits
henrimatisse.org
artdaily.com