:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Monday, October 23, 2017

جون فريدريك لويس في مصر


كان جون فريدريك لويس (1805-1876) رسّاما انجليزيا مشهورا. وهو معروف، أساسا، بسلسلة لوحاته التي استلهمها من فترة إقامته في مصر والتي دامت عشر سنوات. وكثيرا ما توصف تلك الصور بأنها تجسيد حيّ للمَشاهد الواقعية التي رآها الرسّام أثناء إقامته في القاهرة.
وبعض النقّاد يشيرون إلى انه كلّما تمعّنت في لوحات لويس تلك، كلّما أدركت أنها ليست فقط عن الآخر، أي عن الحياة في مصر في منتصف القرن التاسع عشر، بقدر ما هي أيضا عن الذّات، أي عن الرسّام نفسه. السرد في هذه الصور أكثر من الدراما الشرقية.
ورؤية لويس عن مدينة القاهرة وأهلها تظهر واضحة في لوحاته على عدّة مستويات. فهي من ناحية، ذكرى عن ماضي الرسّام كفنّان مغترب، كما أنها انعكاس لدوره كوسيط ثقافيّ بين الحضارتين الشرقية والغربية اللتين عاش في إطارهما.
زار جون فريدريك لويس القاهرة في زمن كانت فيه الثقافة الإسلامية تكشف عن نفسها للأوربّيين لأوّل مرّة. وباستثناء لوحته "نساء في القاهرة"، فقد رسم كلّ لوحاته المهمّة عن تجربته في مصر بعد أن غادرها، أي في السنوات الخمس والعشرين التي سبقت وفاته في عام 1876. والعديد من تلك اللوحات التي نفّذها بعد عودته إلى انجلترا رسمها من تجاربه ومن ذاكرته. لذا كان هناك دائما شكّ في أصالة صوره وفي الدوافع من ورائها.
والسؤال الذي كان يثار دائما هو: لماذا انتظر لويس ربع قرن قبل أن يرسم الأماكن التي عاش فيها في مصر؟ هل أراد أن تكون اللوحات شهادته البصرية على ما رآه، خاصّة انه لم يترك بعد وفاته أيّة سجلات أو أدلّة مكتوبة عن حياته في القاهرة؟
بعد أن عاد لويس إلى بلده كان يرسم من ذكرياته أو من الاسكتشات والصور التي جلبها معه من رحلته. وهذه أصبحت صورا ثابتة قام بإعادة ترتيبها في عقله، ومنها أيضا ظهرت صور أخرى مشابهة.


كان الفنّان مفتونا بمصر وقد أحبّ أهلها كثيرا. وعاش هناك، مثل آكلي الّلوتس، حياة حالمة وكسولة ومخدّرة. وأعظم المتع التي وجدها في ذلك البلد كانت الحياة في الصحراء والعيش في الخيام. كان يدخّن ويأكل مع العرب ويتحاور معهم، وكانت له تأمّلاته الهادئة في النجوم التي تزيّن سماء الصحراء العربية في الليل.
وعندما تزوّج في الإسكندرية من شابّة انجليزية تُدعى ماريان هاربر، أصبح لويس يجد صعوبة في الاستمرار في العيش في مجتمع شرقيّ، ولذا قرّر أن الوقت قد أزف كي يعود إلى وطنه.
وعندما عاد هو وزوجته، كانت انجلترا قد تغيّرت كثيرا. رسوماته التي أكملها في لندن كانت تناسب موضة ذلك الزمان، ففيها جانب سرديّ كما أنها تصوّر مواضيع حقيقية. وقد ضمّن لوحاته إيحاءات شاعرية وتأثيرات زخرفية. ألوانه الساطعة ونسيجه الفخم وتجاربه مع الضوء كانت تعكس الفخامة والبذخ والرفاهية التي ارتبط بها الشرق في عقول الغربيين.
لوحته الوحيدة التي رسمها في مصر كان اسمها نساء في القاهرة ، وفيها يعرض أفضل ما لديه من مواهب. المنظر في هذه الصورة وصفيّ وشرقيّ. إلى اليسار، نرى باشا وسيماً يجلس في ديوانه المزيّن بأثاث فخم ورائع الألوان. وإلى يمينه، يستلقي غزال صغير. وإلى يساره، تجلس ثلاث نساء وخلفهم خادمة سمراء.
وفي منتصف الصورة، يقف حارس مخصيّ بصحبة جارية جديدة. والباشا يحني جسمه إلى الأمام كي يتفحّص المرأة. المروحة المصنوعة من ريش الطاووس، والغزال المروّض، والنسيج الرائع الألوان، كلّ هذه العناصر تضيف غموضا إلى هذا المنظر الشرقيّ الخالص. واهتمام الرسّام بالشكل واللون والنسيج والضوء يجعل كلّ تفصيل في اللوحة يبدو بمنتهى الدقّة.


ضوء الشمس في اللوحة يدخل عبر فراغ المشربيّات خلف الرجل ويسقط على الأرائك والألبسة الملوّنة. والمكان يدلّ على الفخامة والثراء. والمنظر بأكمله يعطي انطباعا بأن لويس كان يرسم ما رآه فعلا وليس شيئا من نسج الخيال. وهؤلاء النسوة، أي زوجات الباشا اللاتي يبدين مسترخيات في منزلهنّ الباذخ والمحميّ، لسن محرومات أو غير سعيدات. وحضورهنّ هنا كشاهدات على وصول امرأة جديدة إلى البيت يدلّ على أن هذا كان أمرا مسموحا به وغير مستهجَن.
في ذلك الوقت، كان المجتمع الفيكتوريّ الانجليزيّ يقدّر ويتفهّم الدراما المتضمّنة في هذه الصورة. فالنساء غالبا ما يقدّمن تنازلات، كما أن الرجال والنساء معا يتبنّون أحيانا معايير مزدوجة.
غير أن هناك ملاحظة مهمّة. فالباشا الشابّ لا يبدو من ملامحه انه مصريّ أو متوسّطيّ. واعتمادا على بعض الرسومات التي تصوّر لويس في تلك الفترة، يظهر الرسّام بشعر اسود وأنف مستقيم وبلحية وشاربين وملامح تشبه ملامح الباشا الظاهر في الصورة. أي أن الباشا يمكن أن يكون الرسّام نفسه.
بعد سنوات سيعود لويس لرسم المنظر نفسه مع بعض الاختلافات في لوحة بعنوان رسالة معترَضة . وفيها يظهر الباشا بعد أن تقدّمت به السنّ جالسا في نفس ديوانه الوثير مع الغزال والنساء. وملامح الباشا الآن قريبة من ملامح لويس كما وصفه احد معارفه من تلك الفترة. "كانت له لحية بيضاء تسترخي بِنُبل على صدره وتستثير شعورا بالاحترام وتمنحه مظهر الباشاوات".
لكن الفكرة في اللوحة الأخيرة مختلفة بعض الشيء. فبدلا من وصول امرأة جديدة كي يقوم بفحصها، يجب على الباشا أن يقرّر ما سيفعله في أمر خادمة قُبض عليها متلبّسة بحمل باقة ورد ورسالة. في منتصف اللوحة تقف المرأة المسئولة عن الحريم وهي تمسك بيد الخادمة المشتبه بها، بينما تمسك باليد الأخرى الأزهار والرسالة الغامضة، مع نظرة متشكّكة.


وعبر زجاج النافذة الكبيرة في الخلفية، يلوح منظر لقبّة ومنارة احد المساجد. وفي كوّة بأعلى الجدار الأيسر، هناك مزهرية يابانية عليها صورة محارب ساموراي.
هذه التفاصيل المهمّة التي تتداخل مع الدراما في أسفل اللوحة كانت تثير إعجاب المجتمع الفيكتوريّ، وكان الناس هناك يُسرّون بقراءتها. ولا بدّ أنهم فهموا مغزى الرسالة، وهي أن المرأة، سواءً كانت في القاهرة أو في لندن، في الشرق أو في الغرب، تخضع لنفس النظام الأبويّ. ولويس بعينه المتامّلة والفاحصة كان يعبّر عن مثل هذه الأشياء ببراعة من خلال فرشاته الدقيقة والكاشفة.
قبل وفاته ببضع سنوات، استخدم الرسّام زوجته ماريان كموديل للوحة بعنوان قيلولة . وهي عبارة عن بورتريه جميل تظهر فيه الزوجة وهي نائمة في غرفة مع طاولة تصطفّ فوقها ثلاث مزهريات. إحداها تحتوي على أزهار الخشخاش التي ترمز عادة للنوم والسلوى، والثانية تحتوي على أزهار السّوسن البيضاء التي غالبا ما ترمز للطهر والحشمة والجمال.
لكن ماريان النائمة ترتدي نفس الفستان الأخضر والوشاح الأحمر الذي ترتديه الخادمة في اللوحة السابقة. في لوحات لويس، العناصر المتداخلة حاضرة دائما. ترى هل هذه مصادفة أم أمر مقصود، وماذا يعني؟
وفي لوحته كاتب الرسائل، نرى رجلا مُسنّاً يكتب رسالة. وإلى جواره تجلس خادمته التي تسند جسدها على صندوق مزخرف تُحفظ فيه الأوراق وأدوات الكتابة. وهناك أيضا امرأة أخرى ترتدي البرقع مع فستان بألوان برتقالية ورمادية.
تركيز الرسّام على النسيج والقماش واللون والضوء أمر مألوف. لكنْ خلف فتحات المشربية هناك رجل. هل وضعه الرسّام في ذلك المكان بالمصادفة أم أن له دورا يلعبه في القصّة؟ هل هو حارس؟ جاسوس؟ وهل هذه رسالة حبّ؟ هل يكون هذا الرجل هو لويس نفسه الذي يلاحظ عالَما يعيش ضمنه لكنه لا يلعب فيه دورا حقيقيا؟


كان جون فريدريك لويس يُكثِر من استخدام المرايا في لوحاته. وهو يستخدمها كأداة لإضافة عناصر جديدة إلى المشهد ولاستعادة مناظره المبكّرة عن النساء. في لوحة بعنوان نساء في القسطنطينية، هناك مرآة على الجدار. وهو يضمنها في اللوحة لكي يوسّع المشهد ويضيف إليه المزيد من العناصر. وربّما كان الفنّان يقصد أن حياة هؤلاء النسوة أكثر تعقيدا من المظاهر الباذخة وحالة الشعور بالأمان التي توحي بها صورهنّ.
في نفس اللوحة نرى قطّة صغيرة ترفع مخلبها باتجاه مروحة من ريش الطاووس تمسك بها صاحبة المنزل على سبيل المداعبة. وضوء الشمس يخترق النافذة ويسقط على فراء القطّة وعلى الأريكة البيضاء. التفاصيل المدهشة والفانتازية للويس جعلت لوحاته ذات شعبية كبيرة بين أوساط الجمهور في زمانه الذين كانوا مفتونين بمناظره الغرائبية والمشمسة عن بلدان بعيدة.
كان الرسّام قد ذهب في عام 1840 إلى اسطنبول "أو القسطنطينية كما كانت تُسمّى آنذاك" وأقام بها عاماً قبل أن يذهب إلى مصر. ولم يرسم لوحته السابقة إلا بعد ستّ سنوات من عودته إلى انجلترا.
توفّي جون فريدريك لويس في أغسطس من عام 1876. وبعد موته بعام قامت زوجته ببيع كافة متعلّقاته من رسومات ودراسات وكتب وصور وأزياء في مزاد علنيّ. لكنه ما يزال يعيش إلى اليوم كإنسان وكفنّان من خلال رسوماته.
مناظره عن القاهرة هي بمثابة شهادته عن مدينة رائعة عاش فيها عشر سنوات بعد أن أحبّها وألِف أهلها. وقد ترجم ما رآه هناك إلى صور كان من السهل على المجتمع الفيكتوريّ أن يفهمها ويقدّرها. كما أن حياته ونوعية أفكاره أسهمت في إضفاء الكثير من اللمسات الغريبة والغامضة والفاتنة على لوحاته.

Credits
eduref.org

Wednesday, October 18, 2017

بابا هايدن

من أهمّ الشخصيات التي تركت أثرا كبيرا في عالم الموسيقى الكلاسيكية المؤلّف الموسيقيّ النمساويّ جوزيف هايدن. ويُعزى إلى هايدن الفضل في ابتكار الرباعيات الوترية، وحتى السيمفونيات بالإضافة إلى عدد آخر غير قليل من الأشكال الموسيقية.
كان هايدن معلّما وصديقا لموزارت. وهو أوّل من تنبّأ لوالده بأن ابنه سيكون له شأن في الموسيقى. كما علّم بيتهوفن، رغم أن علاقتهما تخلّلتها فترات من الخصومة والجفاء بسبب عصبية بيتهوفن وميله للشكّ في كلّ شيء. لكن بيتهوفن ظلّ على الدوام يعبّر عن تقديره واحترامه الكبيرين لمعلّمه.
ترك هايدن تراثا موسيقيا عظيما. التسجيل الكامل لرباعياته الوترية وحدها يربو على العشرين ساعة من الموسيقى المتواصلة. والكثير من موسيقاه لا تخلو من روح الدعابة والمرح، لأنه ضمّنها قفلات طريفة و مفاجآت إيقاعية لا تخطر أحيانا على البال.
الغريب انه بعد وفاة هايدن بفترة قصيرة، تسلّل إلى قبره مجموعة من الأشخاص الذين كانوا يبحثون في علاقة شكل جمجمة الإنسان بملكاته العقلية، فنبشوا قبره وقطعوا رأسه ثم أعادوا دفن جثّته من جديد. ولعدّة سنوات لم يلاحظ السرقة احد، وبعد مرور مائة وخمسين عاما على الحادثة أعيد الرأس ليُدفن مع الجثّة مرّة أخرى.
ولد هايدن في مارس من عام 1732. في ذلك الوقت، كانت تهيمن على أوربّا مجموعة من السلالات الملكية: عائلة هانوفر في انجلترا، والبوربون في فرنسا، وهابسبيرغ في النمسا. وكانت أسرة هايدن تعيش في بلدة على الحدود بين النمسا والمجر.
وقد تأثّر منذ طفولته بحبّ والده للموسيقى الشعبية. رئيس مدرسة الموسيقى في كاثدرائية البلدة لاحظ موهبة الصبيّ الموسيقية، فقرّر ضمّه إلى فرقته. ثم اشترى له والده "ارغن" مستعملا وبدأ يتعلّم عليه العزف. وفي تلك الأثناء تعرّف على موسيقيّ ايطاليّ يُدعى نيكولا بوربورا الذي علّمه التأليف الموسيقيّ.
وفي عام 1759، استدعاه وجيه يُدعى الكونت مورزين كي يشرف على الاوركسترا الخاصّة بقصره. وهناك ألّف هايدن أولى سيمفونياته. وقد اجتذبت موسيقاه اهتمام الأمير بول ايسترهازي الذي عيّنه نائبا لمدير الفرقة الموسيقية لديه.
ثم انتقل إلى بلاط آيزنستات التابع لهذه العائلة الهنغارية المشهورة بنفوذها وثرائها. الأمير نفسه كان يجيد العزف على التشيللو والكمان. وقد أراد أن يحسّن صورة البلاط بتشجيع الموسيقى الاوركسترالية والاوبرالية، لذا عهد إلى هايدن بتلك المهمّة.
وبعد موت بول ايسترهازي خلفه أخوه نيكولاس الذي كان هو الآخر محبّا للموسيقى، فأمر هايدن بأن ينتج المزيد من الأعمال الموسيقية. وكان الأمير الجديد يجيد العزف على آلة الباريتون، وهي آلة موسيقية مقوّسة الشكل وذات ستّة أوتار. وقد أتقن هايدن نفسه العزف على هذه الآلة وألّف أكثر من مائة وخمسين لحنا قدّمها إلى الأمير كي يعزفها.


في عام 1764، زار نيكولاس ايسترهازي قصر فرساي الفرنسيّ، وقد ألهمته تلك الزيارة أن يبني لعائلته قصرا مشابها. وبالفعل بنى ما أصبح يُسمّى بـ قصر ايسترهازي العظيم . كان القصر يحتوي عند إكماله على أكثر من مائة وعشرين غرفة للضيوف، مع حدائق فسيحة شُيّدت فوق منطقة من المروج الممتدّة على ضفاف بحيرة نوسيدلر. وأصبح القصر مقرّا لإقامة هايدن.
المكانة المتعاظمة لأسرة ايسترهازي كانت تعني أن على هايدن أن ينتج المزيد من الأعمال الموسيقية، فألّف على مدى سنوات أكثر من أربعة عشر عملا مسرحيا.
وفي عام 1768، بنى الأمير مسرحا يتّسع لأربعمائة شخص كي تقام عليه العروض المسرحية وغيرها من الفعاليات التي ما تزال تقام إلى اليوم.
غير أن الذين يخدمون في القصر، ومن بينهم هايدن نفسه، أصبحوا يعانون من الإحساس المتزايد بالعزلة في تلك المساحة الشاسعة من المروج المملّة بعيدا عن عائلاتهم. وقد ألهمت تلك الأجواء هايدن تأليف مجموعة من الألحان الكئيبة والمظلمة من بينها رباعيته الوترية رقم عشرين .
ومن خلال تلك الألحان، تكرّست شهرة هايدن كمؤلّف مبتكر للرباعيات الكلاسيكية. وإحدى تلك القطع، وهي الرباعية الوترية رقم 33 ، نالت إعجاب موزارت لدرجة أن الموسيقيّ الصغير ألّف، هو الآخر، مجموعة من الرباعيات المماثلة وأهدى ستّاً منها لهايدن.
في عام 1784، كُلّف هايدن بتأليف سيمفونيات في فرنسا، وهي ما أصبحت تُسمّى بسيمفونيات باريس. وقد أدّى ذلك إلى انتقال شهرته إلى اسبانيا، فدعته إحدى الكاثدرائيات في قادش لتأليف مجموعة من الأعمال الدينية. وقد كوفيء على عمله بإهدائه كعكة شوكولاتا ضخمة مُلئت بالعملات الذهبية.
في عام 1790، توفّي الأمير نيكولاس ايسترهازي. وبعد الثورة الفرنسية، قام ابنه الذي خلفه، ويُدعى انطون، بتسريح الاوركسترا، لكنه أمر بأن يُدفع لهايدن راتب تقاعديّ تقديرا منه لخدمته الطويلة والمتميّزة لعائلته.
وفي عام 1791، ذهب هايدن إلى لندن، وهناك عُومل كضيف مهمّ، ومنحته جامعة اوكسفورد درجة شرفية. وردّ هايدن على التحيّة بتأليف سيمفونية اسماها سيمفونية اوكسفورد أو السيمفونية رقم 92.
وأثناء إقامته في لندن التي دامت بضع سنوات، شعر هايدن بارتباط خاصّ بالمدينة. وقد أُعجب كثيرا بالنشيد الوطنيّ الانجليزيّ وبتأثير ذلك النشيد في توحيد الانجليز وتقوية مشاعرهم الوطنية. وكان يدرك حاجة بلده النمسا إلى نشيد وطنيّ يوحّدها في وجه تهديدات نابليون بغزو أراضيها. وقد ألف فعلا نشيدا أصبح في ما بعد هو النشيد الوطنيّ للنمسا وألمانيا.
ويقال أن هايدن كسب في لندن في سنة واحدة ما كسبه في عشرين عاما من خدمته في قصر ايسترهازي. وقد بذل الانجليز محاولات عدّة لاستبقائه في انجلترا. لكن بعد موت الأمير انطون ايسترهازي وتولّي الأمير نيكولاس الثاني الحكم، أمر الأخير بأن يعود هايدن إلى النمسا وأن يُعيَّن مستشارا موسيقيّا له.


في سنّ التاسعة والخمسين، عاد هايدن إلى بلاط آيزنستات وبدأ عملية إعادة ترتيب الحياة الموسيقية في البلاط الجديد. وفي عام 1796، كتب كونشيرتو الترومبيت المشهور. غير أن الأمير الجديد لم يكن مغرما بالموسيقى الآلاتية، فأمر هايدن بتأليف عدد من الأناشيد الدينية، وقد ضمّنها الأخير معرفته الواسعة بالأوبرا والسيمفونيات.
من بين أعمال هايدن التي كتبها في تلك الفترة سيمفونيته السادسة والتسعين . وكان تقديمها للجمهور مناسبة عظيمة، ليس لأن السيمفونية كانت تحفة فنّية فحسب، وإنما لأن نجفة ضخمة سقطت من السقف أثناء الحفل. وقد اكتسبت السيمفونية اسمها الآخر، أي المعجزة، لأن أحدا من الحضور لم يُصب بأذى في تلك الحادثة.
في تلك الأثناء، عزف هايدن وموزارت معا عددا من الرباعيات في فيينا. كان موزارت يحترم هايدن كثيرا ولطالما دعاه لحضور حفلاته. وكان هايدن يردّ بالتعبير عن إعجابه الشديد بالعبقريّ الصغير. وفي الحقيقة كانت الموسيقى التي عُزفت في جنازة هايدن في ما بعد هي القدّاس الجنائزيّ الذي كتبه موزارت قبيل وفاته.
في عام 1804، غادر هايدن نهائيا أسرة ايسترهازي بعد خدمة دامت أربعين عاما. وأقيم على شرفه حفل حُمل إليه على أريكة خاصّة وعُزفت خلاله سيمفونيّته الخليقة .
كان عمر هايدن آنذاك قد شارف على السادسة والسبعين. وقد حضر الحفل عدد من كبار الموسيقيين، كان من بينهم بيتهوفن وسالييري الذي قاد الاوركسترا. وقد دُهش هايدن من حرارة الاستقبال الذي حظي به، ثم أمر بأن يُنقل إلى بيته، ولم يظهر بعد ذلك على الملأ أبدا.
وعندما بدأ نابليون غزو الأراضي النمساوية في عام 1809، كان هايدن يقضي أيّامه الأخيرة في منزله في إحدى ضواحي فيينا . كان وقتها قد أصبح شخصية محترمة ومعروفة في عموم أوربّا. وكبادرة احترام، أمر نابليون بوضع حارسين خارج منزله كي يقوما على خدمته في سنّه المتقدّمة تلك.
كان هايدن معروفا بتواضعه وحسّه الأبويّ تجاه كلّ من عرفه، ولهذا كان يُكنّى "بابا هايدن". وكان من عادته أن يبدأ كلّ حفلة له بقوله "باسم الربّ". لكنه أيضا كان معروفا بحبّه للدعابة وقد نقل ذلك الإحساس إلى العديد من مؤلّفاته.
المعروف أن هايدن عانى طوال حياته من التهاب الجيوب الأنفية، وكان هذا وضعا غير مريح له وأدّى إلى إصابته باعوجاج في عظمة أنفه.
واعترافا بما تركه من إرث موسيقيّ عظيم، أُطلق اسمه على كويكب سيّار يقع بين المرّيخ والمشتري اكتشفه العلماء عام 1973.

Credits
classicfm.com

Saturday, October 14, 2017

الروميّ بعيون أمريكية


  • سلام على أولئك الذين رأوا جدار روحك يوشك أن ينقضّ، فأقاموه ولم يفكّروا في أن يتّخذوا عليه أجرا.
    - الروميّ

    أصبح محمّد بن جلال الدين البلخيّ، المعروف بالروميّ، الشاعر الأكثر انتشارا والأفضل مبيعا في الولايات المتحدة اعتبارا من عقد التسعينات.
    والأقوال المنسوبة إليه تتردّد يوميّا على شبكات التواصل الاجتماعيّ بوصفها أفكارا محفّزة وإضاءات على طريق الرحلة الروحية..
  • إستمع إلى صوت الناي كيف يبثّ آلام الحنين. يقول مذ قُطعتُ من الغاب وأنا احنّ إلى أصلي.
  • لا تجزع من جرحك، وإلا فكيف للنور أن يتسلّل إلى باطنك.
  • وضع الله أمامنا سلّما علينا أن نصعده درجة درجة. لديك قدمان فلمَ التظاهر بالعرج؟!
  • بالأمس كنت ذكيّا فأردت أن أغيّر العالم. واليوم أنا حكيم ولذلك سأغيّر نفسي.
  • قد تجد الحبّ في كلّ الأديان. لكنّ الحبّ نفسه لا دين له.
  • ما تبحث عنه يبحث عنك.
  • دع الماء يسكن، وسترى نجوما وقمرا ينعكس في كيانك.
  • مهمتّك ليست البحث عن الحبّ، بل البحث بداخلك عن تلك الجدران والحواجز التي تبقيه بعيدا عن روحك.
  • هذه الحياة اقصر من شهقة وزفيرها، فلا تغرس بها سوى بذور المحبّة.
  • لكَمْ تمنّيت أن أشدو حرّا مثل هذه الطيور، غير مبالٍ بكيفية تلقّي الناس لما أقول ولا بأيّ نغم أصوغه.
  • أينما كان النور فأنا الشغوف، وأينما كانت الزهرة فأنا الفراشة، وأينما كان الجمال فأنا العاشق، وأينما كانت الحكمة فهي ضالّتي.
  • ❉ ❉ ❉

    إن كنت قرأت الرومي في الولايات المتّحدة بترجمة انجليزية، فأغلب الظنّ أن ما قرأته كان بترجمة كولمان باركس. وباركس شاعر وأستاذ جامعيّ من تينيسّي، كما انه يزاول التدريس في جامعة جورجيا.
    والواقع أن معظم مترجمي الأعمال الأدبية، والشعرية خاصّة، لم يحظوا بشهرة عالمية. لكن باركس لمع نجمه في العديد من المناسبات والمنتديات الأدبية، وقام برحلة إلى أفغانستان حيث ولد الروميّ، وإلى إيران التي عاش فيها شطرا من حياته. وقد مُنح باركس درجة دكتوراة فخرية من جامعة طهران تقديرا له على الثلاثين عاما التي قضاها في الاشتغال على ترجمة أشعار الروميّ.
    الجاذبية الكبيرة للروميّ في الولايات المتحدة يمكن أن تُعزى إلى ترجمات باركس بالذات. وقد بيع أكثر من نصف مليون نسخة من كتبه، بينما من النادر أن يباع أكثر من عشرة آلاف نسخة من أيّ كتاب للشعر سواءً كان أصليّا أو مترجما.
    بدأ كولمان باركس ترجمته للروميّ عام 1976، عندما سلّمه معلّمه الشاعر والمترجم روبرت بلاي نسخة من ترجمة للروميّ أعدّها أ. اربري قائلا له: هذه القصائد بحاجة إلى من يحرّرها من أقفاصها". وكان يقصد أن تلك الأشعار المترجمة ذات صبغة أكاديمية جافّة، وهي بحاجة إلى من يعيد تكييفها بحيث تصبح مفهومة كي تروق للذوق الشعبيّ العام.


    قبل ذلك لم يكن باركس قد سمع باسم الروميّ، أي أن قصّته مع الشاعر بدأت خلال لقاء بالصدفة. ويقول انه عندما بدأ ترجمته للروميّ رأى في الحلم معلّما صوفيّا اخبره بأن يستمرّ في عمله.
    وبعد سنتين على بدء عمله قُدّم إلى المعلّم الذي كان قد رآه في الحلم. ولم يكن ذلك المعلّم سوى باوا محيي الدين، وهو صوفيّ سريلانكي يعيش ويدرّس في فيلادلفيا. وينسب باركس فهمه للصوفية وعشقه لشعر الروميّ لهذا الرجل، حيث كان يزوره أربع أو خمس مرّات في العام إلى حين وفاة محيي الدين في عام 1986.
    والبعض يشبّه علاقة باركس بمحيي الدين بعلاقة الروميّ وشمس التبريزي التي كانت علاقة غامضة بين أستاذ وطالب أو بين عاشق ومعشوق أو بين عارف ومُريد.
    والمعروف أن الروميّ لم يبدأ حياته كمتصوّف، وإنّما كشاعر. وهو يوصف عادةً كداعية وعالم مسلم، تماما كما كان والده وجدّه. لكن في سنّ السابعة والثلاثين، قابل شمس الذي ربطته به علاقة صداقة متينة لثلاث سنوات.
    وبعد وفاة شمس التبريزي، مقتولا على الأرجح، بدأ الروميّ كتابة الشعر. ومعظم شعره الذي بين أيدينا اليوم نظمه ما بين سنّ السابعة والثلاثين والسابعة والستّين. وقد كتب معظم قصائده إلى الرسول الكريم وإلى شمس نفسه. وديوانه "المثنوي" ما يزال يُتلى ويُغنّى ويُستخدم كمصدر للإلهام في الروايات والأشعار والأفلام والموسيقى.
    يقول باركس إن ترجماته لأشعار الروميّ تجتذب الجمهور الحديث لأنها تقرّبهم من روح الرومي. غير أن منتقديه يتساءلون: هل هي روح الروميّ فعلا أم روح باركس التي ترى في أشعار الروميّ نوعا من الروحانية الحديثة؟
    وبنظر هؤلاء، فإن باركس اغرق السوق بـ "روميّ" مختلف أصبح يرمز إلى شخص لا يلتزم بأيّ تراث خاصّ ويبحث عن الحبّ قبل بحثه عن الإيمان. وهذه السّمة مألوفة كثيرا في الأدب الأمريكيّ خاصّة.
    ويبدو أن ترجماته المعدّلة لأشعار الرومي صُنعت كي تناسب أذواق الجمهور الواسع والباحث عن حلول روحية سريعة. والنتيجة، كما يقول منتقدوه، ظهور شاعر من العصر الجديد متخفّف من إسلام القرن الثالث عشر ومن أفكار وصور العصر الذهبيّ للشعر الفارسيّ الكلاسيكيّ.
    غير أن ما يترجمه، برأي البعض، ليس الروميّ. وهو لا "يفبرك" الترجمات كما هو شأن العديد من المترجمين الشعبيين الذين يستلهمون أعمال شعراء فارس الكلاسيكيين كالخيّام وحافظ. فترجمات باركس يمكن تصنيفها على أنها ترجمات ثانوية، أي أنها إعادة تصوير لترجمات أوّلية عن النصوص الأصلية.
    ولهذا السبب، يقول باركس أن ترجمته للروميّ اقلّ أكاديميةً وأكثر عاطفية. وهو بهذا، كما يقول منتقدوه، يحرّر نفسه من قيود النصّ الأصليّ، بينما يسمح لنفسه بالاستفادة مادّيّا من اسم الروميّ.
    لي شميت مؤلّف كتاب "أرواح حائرة" الذي يناقش فيه الروحانية في أمريكا يضع باركس في سياق سرديّ يتضمّن البروتستانتية وشعراء التسامي الأمريكيين أمثال ويتمان وثورو وإيمرسون.
    وشميت يعلّل شعبية ترجمات باركس للروميّ بالقول أنها تتماهى مع أفكار أيّ شاعر من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أكثر من كونها تعبيرا حقيقيا عن أفكار الروميّ الأصلية.
    ترجمات باركس تقدّم حلولا للجوع الروحيّ في أمريكا، لأنها تجرّد شعر الروميّ من تعقيداته. لكن هذا لم يكن بلا ثمن. فأحد النقّاد كتب مؤخّرا يقول إن ترجمات باركس كانت مشوّهة، إذ انه أزال المفردات الغريبة من النصّ الأصليّ وحوّل مولانا، أي الروميّ، إلى شخص آخر مختلف.
    وقيل أيضا أن باركس فعل مثل الكثير من الشعراء الذين تعمّدوا تبسيط ترجماتهم كي يفهمها الناس العاديّون، بدلا من أن يبحثوا عن جوهر شعريّ عالميّ. والنتيجة انه قلّص النَفَس الشعريّ المميّز للروميّ بتحويل شعره إلى معالجات روحية مألوفة ومتفائلة وجاهزة.
    لكن بصرف النظر عما يقال، فإنه بفضل باركس أصبح الروميّ الشاعر المفضّل والأكثر شعبية عند الأمريكيين. وفي وسائل الإعلام يعتبره الكثيرون الرجل الذي قدّم الروميّ إلى الغرب.

    Credits
    colemanbarks.com
    openculture.com