:تنويه

تنويه: كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة للمؤلف ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. .


الخميس، يناير 06، 2011

الفنّ ما قبل الرافائيلي

تأسّست جماعة الفنّانين ما قبل الرافائيليين في خريف عام 1848 على يد مجموعة من الرسّامين والشعراء والنقّاد الانجليز. وكان ظهور الحركة ردّ فعل على النزعة الفيكتورية نحو المادّية وعلى الأفكار النيوكلاسيكية التي كان يتبنّاها الفنّ الأكاديمي.
وقد تقرّر اختيار هذا الاسم بالنظر إلى سعي الجماعة إلى إعادة اكتشاف أساليب الرسم التي كانت شائعة قبل زمن الرسّام الايطالي رافائيل.
ووصل الفنّ ما قبل الرافائيلي إلى ذروته مع ظهور لوحة اوفيليا لـ جون ميليه التي حقّقت شهرة عظيمة عند عرضها لأوّل مرّة عام 1852م.
كان الرسّامون الثلاثة المؤسّسون لمدرسة الفنّ ما قبل الرافائيلي هم جون ايفرت ميليه ودانتي غابرييل روزيتي ووليام هولمان هانت.
وكان هدفهم المعلن من وراء تأسيس الحركة هو البحث عن مواضيع وأفكار جادّة وحقيقية للرسم. وقد استمدّوا مواضيع لوحاتهم من الكتب الدينية والأفكار الاجتماعية السائدة في زمنهم. كما حرصوا على تصوير الطبيعة بعناية ودقّة دون تمجيدها أو رسمها بصورة مثالية ودون مراعاة للقواعد الأكاديمية المتّبعة في التصميم والتلوين.
وقد بدأ الفنّانون ما قبل الرافائيليين في رسم موضوعات مستوحاة من الشعر والقصص الرومانسية ومن التاريخ وخيالات القرون الوسطى. ووجدوا بهجة في الألوان الحسّية الرائعة وضمّنوا لوحاتهم رسومات لشخصيّات في أوضاع عاطفية ومنمّقة مع رمزية غامضة.
وكان تمردّهم في البداية هدفا لهجوم من الروائي تشارلز ديكنز وغيره من الكتّاب الذين وصفوا نتاجهم بالفنّ الهابط. لكنّهم وجدوا نصيرا قويّا في شخص الناقد جون راسكين الذي وفّر لهم علاقات صحفية قويّة وتوجيها مهنيا، على الرغم من انه كان يفسّر أعمالهم بطريقة محرّفة وكثيرا ما كان يثير امتعاضهم بنصائحه المتفذلكة.

كان الفنّانون ما قبل الرافائيليين في أغراضهم وأساليبهم النقيض الكامل للانطباعيين. فقد كانوا يلجئون إلى الكتب والشعر ويبشّرون بالأخلاق ويستخدمون الضوء بطريقة خطابية. بينما كان الانطباعيون يُعنون بتصوير المتع اليومية واستكشاف وتحليل الخواصّ العلمية والجمالية للضوء.
ورغم أن الما قبل الرافائيليين ارتادوا آفاقا جديدة في الواقعية المادّية والألوان البرّاقة، إلا أنهم حاربوا الفنّ الأكاديمي المبتذل والمتكرّر بفنّ متخم ووعظيّ خاصّ بهم. صحيح أن ابتكاراتهم التقنية كانت واضحة. لكنّ المتلقّي لا يستطيع أن يهضم أعمالهم إلا إذا حاول التغافل عن درجة العاطفة المفرطة فيها.
كان الشخص الأكثر شعبية ونجاحا بين فريق مؤسّسي الفنّ ما قبل الرافائيلي هو الطفل المعجزة جون ايفرت ميليه (1829-1896)، الذي أصبح في نهاية المطاف رئيسا للأكاديمية الملكية. وقد كافأ ميليه الناقد جون راسكين على دعمه للمجموعة بالهرب مع زوجته الجائعة عاطفيا ايفي غراي في عام 1853م.
والحقيقة انه ليس بالإمكان تجاهل لوحات ميليه المنفّذة بشكل أنيق لفتيات جميلات ولمشاهد مستوحاة من كتب الأدب، عندما كان يتعامل مع الألوان الزيتية حصرا.
الشخص الثاني في الجماعة من حيث الأهمية كان دانتي غابرييل روزيتي (1828-1882) الذي كان ابنا لثائر إيطالي. كان روزيتي الزعيم الفكري للجماعة. كما كان مسئولا عن دعمهم ومساندتهم باعتبارهم "جماعة سرّية". وقد درس الرسم في كنغز كوليج في لندن. لكنه كان يقضي وقتا أطول في كتابة الشعر. وكان يعتبر نفسه رسّاما شاعرا ويتّخذ من وليام بليك نموذجه المفضّل.
كان روزيتي يعرض في لوحاته الارتباطات الأدبية القويّة التي رافقت الحركة منذ بداياتها. وقد درج على تجنّب المواضيع الدينية لصالح الأساطير الشعرية. ويُعزى إليه الفضل في انه مهّد الطريق لحالة الهوس بالمواضيع المستلهمة من قصص القرون الوسطى والتي كرّستها الموجة الثانية من الفنّانين ما قبل الرافائيليين.
ومثل معظم أقرانه، أصبح روزيتي على علاقة سيّئة بـ جون راسكين الذي كلّفه برسم لوحة ثم أمره بأن يعيد رسمها مرّة تلو أخرى إلى أن نالت رضاه.

في العام 1850 قابل روزيتياليزابيث سيدال التي أصبحت "أميرته العذراء" وموديله المفضّلة. وقد تزوّجا بعد عشر سنوات من العيش معا. لكنّ سيدال لم تلبث أن توفّيت بعد الزواج بعامين إثر تناولها جرعة زائدة من صبغة الأفيون.
وفي عام 1871 هوجم روزيتي بضراوة في مقال كتبه شخص مجهول واصفا إيّاه بأنه "شاعر شهواني وعديم الأخلاق".
وبعدها أصبح روزيتي شخصا انطوائيا ومتشكّكا وبدأ في تعاطي الأدوية المهدّئة. ورغم ذلك، تضاعف نجاحه في نهاية حياته ورسم العديد من اللوحات الزيتية التي تصوّر نساءً جميلات، في ما بدا وكأنّه محاولة حزينة لتذكّر سيدال.
ثالث الأعضاء المؤسّسين لجماعة الفنّ ما قبل الرافائيلي كان وليام هولمان هانت (1827-1910). وربّما كان هانت الشخص الأكثر إثارة للاهتمام من بين أعضائها. وقد تمسّك بمبادئ الجماعة طوال حياته.
ويقال إن هانت كان يحتفظ بآراء جنسية مشوّهة كان يخفيها من خلال هجومه المصطنع على الابتذال الأخلاقي. وقد وقع ذات مرّة في حبّ عاهرة تدعى آني ميلر. وحاول أن "يخلّصها" مقابل الزواج ولكي يستخدمها كـ موديل في لوحاته الوعظية.
كان بحث وليام هانت عن الطبيعة مقترنا ببحثه عن طبيعة الأخلاق والحقيقة الإلهية. والمفارقة أن ملاحظته للطبيعة أنتجت متعا حسّية صوّرها بألوان زاهية. لكن عندما ينزل عن منبر الوعظ الديني فإن لوحاته تصبح مثيرة للغاية بتفاصيلها الدقيقة وبأسلوب استخدام الألوان فيها.
وعندما رأى الرسّام الفرنسي اوجين ديلاكروا إحدى لوحات هانت الزيتية عام 1856 ذُهل من لمعان الألوان الحمراء والصفراء والزرقاء التي نسجها هانت في صوف الخراف البيضاء. وبعض لوحاته هي مشاهد ليلية تحت ضوء القمر أو أنوار الشموع. وعندما زار هانت مصر والأراضي المقدّسة بعد عام 1854 رسم طبيعة ذات تفاصيل دقيقة مع سموات صفراء وجبال بنفسجية.

وعلى خطى الآباء المؤسّسين لحركة الفنّ ما قبل الرافائيلي جاء عدد من الرسّامين الذين شاركوهم بعض أهدافهم وأساليبهم.
ومن بين أهمّ هؤلاء السير ادوارد بيرن جونز (1833-1898). ومثل روزيتي، كان بيرن جونز مهتمّا بالمواضيع المتعلّقة بالعصور الوسطى والقصص الأسطورية. لكنّه فضّل في ما بعد رسم شخصيات كلاسيكية على غرار بوتيشيللي الذي رأى بعض أعماله أثناء زيارتيه إلى ايطاليا.
ورسوماته المبكّرة تتضمّن أنماطا متفرّدة وشخوصا يشبهون شخوص روزيتي. ولوحته سيدونيا فون بورك يمكن اعتبارها مثالا على رؤيته الفريدة للمؤثّرات البصرية والتصميم القويّ. كما أن اللوحة تنطق بالتوق والفخامة اللذين اتّسمت بهما المائة عام التي فصلت بين عصر النهضة وعصر الباروك.
وحدث بعد ذلك أن عرض بيرن جونز إحدى لوحاته شبه العارية في لندن. كانت اللوحة مستوحاة من إحدى الأساطير الإغريقية. وعندما رأى الجمهور اللوحة انتابهم الغضب واتهموا بيرن جونز روزيتي وبقيّة رموز الفنّ ما قبل الرافائيلي بالتهتّك والفجور.
وخوفا من أن تأخذ التهمة منحى خطيرا، سافر بيرن جونز إلى ايطاليا وحقّق هناك سمعة طيّبة بفضل مهارته في تصاميم الزجاج الملون والتطريز والنسيج.
وعندما عاد إلى بريطانيا، ظلّ يعرض رسوماته في الرويال أكاديمي حتى وفاته. وتظهر لوحاته المتأخّرة مهارة واضحة في توظيف الألوان والنقوش والأنماط. كما تركت رسوماته الشاعرية عن شخصيّات ميثيّة أثرا كبيرا في نفوس الناس التوّاقين إلى الحبّ.
الموجة الثانية من الفنّانين ما قبل الرافائيليين ضمّت أيضا أسماء مثل ايفلين دي مورغان التي اشتهرت بلوحاتها الديكورية المستوحاة من أجواء القرون الوسطى والبيرت مور الذي كان يتبنّى أسلوبا شبه كلاسيكي.
وبعد أن تمّ حلّ الجماعة، شكّل كلّ من روزيتي وبيرن جونز جماعة بديلة تخصّصت في رسم نساء ذوات جمال شاحب. بينما ذهب كلّ من هانت وميليه في طريق مختلف، لكنهما استمرّا يعملان وفق الأفكار الأصلية للحركة. .

Credits
artrenewal.org