:تنويه

كافة حقوق الموادّ المنشورة في مدوّنتي "خواطر وأفكار" و "لوحات عالمية" محفوظة ومحميّة بموجب قوانين حقوق النشر والملكية الفكرية. ولا يجوز نسخ هذه الموادّ أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو اقتباسها لخلق عمل جديد أو إرسالها أو ترجمتها أو إذاعتها أو إتاحتها للجمهور بأيّ شكل دون الحصول على إذن مسبق

Sunday, August 20, 2017

رمبراندت و ليستر: صورتان

في حوالي منتصف القرن السابع عشر، رسم كلّ من رمبراندت وجوديث ليستر لوحتين ستصبحان في ما بعد من أشهر البورتريهات الشخصية المألوفة في تاريخ الفنّ الهولنديّ والعالميّ.
للوهلة الأولى، يبدو البورتريهان متشابهين تماما. فكلّ من الرسّامَين رسم نفسه وهو ينظر مباشرة إلى المتلقّي. وكلا الصورتين مرسومتان بنصف طول. لكن نظرة مقرّبة من اللوحتين تكشف عن تباينات واضحة وتشير إلى واقعَين مختلفين.
فصورة ليستر لنفسها يمكن تفسيرها على أنها ترويج للذّات، في حين يبدو أن دافع رمبراندت من رسم شخصه هو رغبته في فهم نفسه كإنسان أوّلا وأخيرا. أي أن الفنّانَين اختارا أن يرسما نفسيهما من منظورين مختلفين تماما.
فرمبراندت رسم لنفسه صورة وهو يرتدي ملابس داكنة وغير مرتّبة إلى حدّ ما. قارن هذا بالطريقة التي رسمت بها ليستر نفسها بحيث لم تترك شكّاً حول طبيعة مهنتها. لقد رسمت نفسها وهي تعمل، يدها اليسرى تمسك بقماش الرسم وبأكثر من عشر فراشي للألوان. بينما يدها اليمنى تتأهّب لوضع اللون على القماش. ثم هناك ملابسها، فستانها الزهريّ والأسود الحديث بأكمامه وياقته الحريرية يوصل إحساسا بالثراء والرفاهية.
وكلّ هذه التفاصيل توحي بأن ليستر تريد أن تُبرز في لوحتها نجاحها كرسّامة. وبالمقابل فإن رمبراندت أهمل تماما هذه الأشياء المساعدة وفضّل أن يركّز اهتمامه على نفسه كشخص وكإنسان.
أيضا هناك استخدام كلّ من الرسّامين للألوان والأضواء بطريقة مختلفة. لاحظ كيف أن صورة رمبراندت لنفسه أحادية اللون تقريبا. الألوان المهيمنة على صورته هي عبارة عن درجات متفاوتة من البنّي القاتم مع لمسات خفيفة من الذهبيّ الذي يلمع من بين طيّات قبّعته. هناك أيضا ومضات ذهبية على شعره الرماديّ وعلى وجهه.
شخص رمبراندت في اللوحة ذو نوعية ضبابية، وإلى حدّ ما مُشعّة. أما الجزء السفليّ من جسمه، بما في ذلك اليدان، فيقع في الظلّ على نحو يذكّرنا بأسلوب كارافاجيو. وهذا التفصيل وظيفته جذب انتباه الناظر إلى وجهه الذي يُعتبر أهمّ جزء في اللوحة.
تركيز رمراندت على وجهه وملامحه يرمز للشخصية أكثر من المهنة. ولو انه أراد الإشارة إلى مهنته لركّز على رسم اليدين. أي انه أراد في هذا البورتريه أن يرسم نفسه كإنسان فحسب أكثر من كونه رسّاما.
لاحظ أيضا كيف انه وظّف تناوله للألوان والظلال لكي يضفي على عمله إحساسا بالعمق. رمبراندت أراد أن يخلق صورة واقعية لنفسه في فراغ ثلاثيّ الأبعاد، وهو هدف لطالما ناضل لتحقيقه في معظم أعماله. وفكرته هنا تتمثّل في اختياره التركيز على نفسه كموضوع وليس الترويج لنفسه كرسّام.
وبالمقابل، هناك الكثير من الألوان في بورتريه ليستر الشخصيّ، من الفستان الزهريّ والأسود، إلى أطراف الأكمام والياقة البيضاء. ثم هناك الطلاء الأخضر الخفيف لذراع الكرسيّ الذي تجلس عليه، بالإضافة إلى الأزرق الشاحب لزيّ عازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه. وعلى جانب من ياقتها الواسعة يمكن رؤية لمحة من ظلّ خفيف.

لكن اللوحة تفتقر إلى الإحساس بالبعد الثلاثيّ. وهناك أجزاء كبيرة من فراغ اللوحة تبدو مسطّحة بما فيها الجزء الأعلى من الفستان الأسود الناعم. وقلّة الأبعاد في لوحتها يوحي بأنها اهتمّت برسم التفاصيل التي تروّج لنفسها، مثل أدوات الرسم ووضعية الجلوس، أكثر من اهتمامها بإظهار فراغ إنسانيّ حقيقيّ.
الألوان في لوحة ليستر تعزّز هذه الروح الحيّة التي تضفي على البورتريه فرحا وثقة. إتّكاؤها على كرسيّها وابتسامتها يُظهِرانها بمزاج مريح ومسترخٍ. فمها مفتوح وحتى بعض أسنانها ظاهرة كما لو أنها تتكلّم أو تضحك، وهذا أمر غير مألوف عادة في البورتريهات الرسمية.
وعازف الكمان الذي يُفترض أنها ترسمه يبدو انه، هو الآخر، مستمتع بمزاجها الفرح والواثق. وكلّ هذه التفاصيل يمكن أن تقدّم لمحة عن شخصية الرسّامة، كما أنها تشير إلى رغبتها في استخدام هذه الصورة كنوع من الدعاية والإعلان لنفسها.
من جهة أخرى، يبدو مزاج رمبراندت في لوحته حزينا إلى حدّ كبير. نظراته عميقة وقلقة مع تغضّنات بارزة في الجبين وبين الحاجبين وعلى الوجنتين. والانفعال العامّ في صورته هذه هو القلق والتوتّر. وفي تضادّ تامّ مع أجواء التفاؤل والثقة بالنفس في لوحة ليستر، يصوّر رمبراندت نفسه هنا ضعيفا وواهناً. ومن الواضح أن اهتمامه مُنصبّ على تصوير حالته الانفعالية أكثر من الدعاية لشخصه.
هناك أيضا شي آخر لافت، فـ ليستر رسمت نفسها على يسار الناظر، وهي وضعية عادة ما تكون مقتصرة على الرجال في لوحات القرن السابع عشر، كعلامة على الأهمّية والنفوذ. أما رمبراندت فقد رسم نفسه على يمين الناظر، وهذا يتوافق مع إحساسه بالكرب والهشاشة. هذه الوضعية تحيل انتباه الناظر مرّة أخرى إلى أهمّ عنصر في اللوحة، أي وجه الرسّام الذي ينظر بتوتّر واضح.
التفاصيل في كلّ من هاتين اللوحتين توحي باختلاف الواقع. ضربات الفرشاة في لوحة رمبراندت خشنة وقويّة، في الخلفية وعلى الوشاح. وهو لم ينسَ أن يرسم التجاعيد على جبهته، كما رسم خصلات شعره البيضاء التي تبدو غائمة ومشوّشة. وباختصار، صوّر رمبراندت ملامحه الخارجية تصويرا أمينا وواقعيّا.
لكن ماذا عن ليستر؟ لقد رسمت يديها ووجهها بنعومة واضحة، حتى أنها قامت بإخفاء الثنيات التي تظهر على الوجه والفم أثناء الابتسام. واستخدمت نفس النعومة في تصوير شعرها وياقتها وغطاء رأسها.
لكنها وظّفت فرشاة خشنة في أماكن أخرى، على تنّورتها الزهرية مثلا. ومن الواضح أنها استلهمت هذا النوع من ضربات الفرشاة من فرانز هولس الذي كان رسّاما مشهورا ومعاصرا للرسّامة.
وهي بهذا تريد أن تثبت أنها أتقنت أسلوب رسّام هولنديّ كبير، واضعةً نفسها في مكانة أعلى من تلك التي لمنافسيها. كما أنها تريد أن تثبت لمن يرى صورتها أنها يمكن أن تنجح وأن تبرز في مجال يهيمن عليه الرجال تقليديّا، أي الرسم.
أما رمبراندت فقد أراد من خلال ظلاله الثريّة والغامضة أن يكشف للناظر عن طبيعته الانفعالية والروحية بإبراز تفاصيل وجهه وملامحه التي نفّذها ببراعة وإحكام.

Credits
rembrandtpainting.net
rijksmuseum.nl

Tuesday, August 15, 2017

شولوكوف والدون الهادئ


عندما يُذكر اسم ميخائيل شولوكوف فإن الذهن ينصرف مباشرة إلى روايته "الدون الهادئ" التي عمل عليها طوال خمسة عشر عاما ونال عليها جائزة نوبل للآداب عام 1965.
العنوان الحرفيّ للرواية الأصلية هو "هادئاً يفيض الدون"، وهو كما أظنّ عنوان أجمل من العنوان المعتمد في الترجمة العربية، أي "الدون الهادئ".
لكن، أوّلا، لماذا أصبحت هذه الرواية مهمّة ومشهورة؟
هناك سببان، أوّلهما أن شولوكوف، الذي كان عضوا في مجلس السوفيات الأعلى زمن خروتشوف، كتبها وعمره لا يتجاوز الحادية والعشرين. والسبب الثاني انه رغم انتماء الكاتب للحزب الشيوعيّ، إلا انه نأى بروايته تماما عن الايدولوجيا، وهذا هو سرّ النجاح الكبير للرواية.
كان شولوكوف يشعر بأهميّته ككاتب وكإنسان، كما كان عصيّا على الطاعة والانقياد، لذا لم يكن يتردّد في انتقاد أيّ احد. وشخصيّته إجمالا تلخّص السمات التقليدية التي تميّز سكّان جنوب روسيا الذي ينتمي إليه أيضا غوغول. كان شولوكوف وطنيّا متطرّفا، وهو أمر ليس بالمستغرب أو النادر بين الكتّاب والروائيين الروس.
وهو يصف منطقة نهر الدون بقوله: أحد شاطئي النهر جرف طباشيريّ اللون مرتفع، والشاطئ الآخر منخفض رمليّ تتناثر فيه برك صغيرة ماؤها دافئ أزرق لمّاع يستطيع المرء أن يسبح فيه لساعات".
وفي ثنايا الرواية، يتحدّث عن الربيع المبهج في الدون والطيور في بدايات الصيف والإوزّات الهادئة على أسطح البرك كجواهر مبعثرة، وعن البطّ الوحشيّ الذي يرسل صياحه بين الغدران الطافحة بالماء المتدفّق في الوادي، وعن طيور الماء المزقزقة في سماء الخريف والمرسلة صراخها فوق الأراضي البور الشاسعة.
تتألّف رواية "الدون الهادئ" من أربعة أجزاء كُتب أوّلها عام 1928، وهي تتناول ثلاثة أحداث رئيسية: الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الروسية وثورة أكتوبر عام 1917.
والمؤلّف يعتمد في سرده على حقائق تاريخية وأماكن جغرافية حقيقية وبشر واقعيين.
تبدأ الرواية أثناء الحرب الأولى في قرية تقع على ضفاف نهر الدون. البطل، غريغوري مليكوف، يعيش هنا مع عائلته ذات الأصول التتارية والتي تتألّف من والديه وشقيقته وأخيه المتزوّج.
وغريغوري واقع في هوى امرأة متزوّجة تُدعى اكسينيا ذهب زوجها إلى الجبهة للمشاركة في الحرب. لكن الأهالي غير سعداء بتلك العلاقة، كما أن والده يريد تزويجه من ناتاليا التي تنتمي إلى عائلة موسرة ومعروفة.
وأخيرا يتزوّج غريغوري فعلا من ناتاليا، لكنه لا يشعر معها بالسعادة رغم كونها امرأة طيّبة ووفيّة. وبعد بضع سنوات يعود إلى اكسينيا.
في تلك الأثناء، تبدأ طلائع الشيوعيين بالظهور في القرية معلنين أنهم يحاربون من اجل تحقيق العدالة والمساواة. ويقرّر غريغوري الهرب مع اكسينيا وينتهي بهما المطاف في حقل يملكه ضابط جيش متقاعد يستأجرهما للعمل في حقله.
وبعد فترة تأتيه رسالة من زوجته ناتاليا تبلغه فيها بأنها وضعت مولودة أنثى وتطلب منه أن يهجر اكسينيا ويعود ليهتمّ بها وبطفلتهما. لكنه يرفض، فتحاول ناتاليا أن تقتل نفسها.


تمرّ الأيّام ويتمّ تجنيد غريغوري في الجيش، لكنه يشعر بالقرف من عمليات القتل وسفك الدماء التي يراها، مع انه هو نفسه جُرح مرارا وتمّ تكريمه بسبب ما أبداه من بسالة. ثم تأتيه رسالة من ناتاليا تفيد بوفاة ابنته.
اكسينيا التي تُركت لوحدها في الحقل تشعر الآن بالوحدة واليأس. لذا يقوم ابن صاحب الحقل بمحاولة التقرّب منها. لكن غريغوري يكتشف ذلك، فيقرّر إنهاء علاقته بها والعودة إلى قريته وزوجته.
وبعد فترة تضع ناتاليا توأما، بنتا وولدا. وشيئا فشيئا يبدأ الجند بالشعور بالإنهاك ويعتقد الجميع أن الحرب توشك على أن تضع أوزارها. لكن تلك الآمال سرعان ما تتبدّد مع تفجّر الحرب الأهلية الروسية ثم ثورة أكتوبر الاشتراكية.
وهنا يختار غريغوري أن ينضمّ إلى البلاشفة، لأنه هو نفسه يحارب مظاهر الظلم الاجتماعيّ وانعدام العدالة.
ورغم إيمان غريغوري القويّ بتلك المبادئ، إلا أن آماله سرعان ما تنهار عندما يُصدم بمقتل ضابطين من المعسكر المعادي. وعندما يعود إلى البيت، يقرّر أن يقاتل في صفوف الطرف الآخر. ومع ذلك لا يشعر بالرضا، لأنه يرى أن كلا طرفي الحرب الأهلية مستمرّان في ارتكاب الجرائم.
وفي تلك الأثناء، يتزوّج ابن الضابط المتقاعد امرأة أخرى ويهجر اكسينيا التي تعود بدورها إلى زوجها الذي عاد الآن من الأسر. ثم تكتشف ناتاليا أنها حامل للمرّة الثالثة، لكنها غير سعيدة بالحمل فتقرّر إجهاض نفسها وتموت أثناء محاولتها تلك.
غريغوري الآن يشعر بالإحباط والحزن الشديد جرّاء وفاة زوجته. ثم يقابل ابن أخيه الذي أصبح قائدا لفرقة البلاشفة في قريته، ويقرّر غريغوري الانضمام إليهم. ثم لا يلبث أن يتركهم ويلتحق بإحدى العصابات، لكنه يترك العصابة أيضا.
في نهاية الرواية، يقرّر البطل العودة إلى اكسينيا. وبسبب امتداد رقعة الحرب، يقرّر الاثنان الهرب إلى مكان آمن، لكن كمينا يُنصب لهما في الطريق فتُقتل اكسينيا. وبينما هو يدفن جثّتها، يدرك كم أن الحياة عبثية وتعيسة وغير منصفة.
غريغوري مليكوف، الإنسان الطيّب والمحبّ للعدالة، كان يبحث عن السعادة طوال عمره، لكنه لم يجدها. زوجته الوفيّة كانت نهايتها مأساوية. وحبّه العظيم لاكسينيا انتهى بمقتلها، وتلك الحادثة أيضا أدّت إلى تدميره هو.
وغاية شولوكوف من الرواية هي إظهار وحشية الحروب التي تحطّم حياة البشر وتشتّت العائلات وتباعد ما بين المحبّين.
ذات مرّة، وصف خروتشوف شولوكوف بأنه فنّان لامع وواصف فذّ. وفي عيد ميلاد الأخير، جاءه خروتشوف بنفسه في حفل عظيم ووشّح صدره بوسام ومنحه جائزة مالية ثم صحبه معه في رحلته إلى أمريكا.
المعروف أن رواية "الدون الهادئ" وجدت طريقها إلى السينما ثلاث مرّات، كانت آخرها في فيلم أخرجه سيرغي غيراسيموف ولقي ترحيبا عالميّا ونال العديد من الجوائز.

Credits
the-tls.co.uk

Thursday, August 10, 2017

تكبيليك: سُلطان القلوب


من الأشياء الجميلة التي اكتشفتها في أوّل عهدي بالانترنت موسيقى الفنّان التركيّ عمر فاروق تكبيليك. عذوبة ألحانه وأناقة توزيعه الموسيقيّ ومزجه الرائع بين الموسيقى العربية والتركية والفارسية واليونانية والاسبانية، بل وحتى موسيقى الجاز الأمريكيّ، هي من أهمّ سمات موسيقاه.
في تلك الفترة، لم يكن تكبيليك قد اصدر سوى ألبوم أو اثنين، وأتذكّر أن عنوان أحدهما "ألِف"، وهو عنوان جميل وذو دلالة خاصّة، فالألِف هو أوّل حروف الأبجدية العربية، كما انه أوّل أحرف لفظ الجلالة "الله".
وفي السنوات التالية وحتى الآن، أصدر العديد من المجموعات الموسيقية التي يربو عددها اليوم على السبع.
في معظم صوره على الانترنت، يظهر تكبيليك وهو يعزف على الناي. وهو يتعامل مع هذه الآلة بطريقة ناعمة وحالمة. وقد تعلّم عزف الناي وهو في سنّ الثامنة، وفي الثانية عشرة أصبح يعزفه بحرفيّة. كما تلقّى دروسا على يد أشهر الموسيقيين الأتراك، مثل عصمت سيرال وأورهان كنج بيه وهو عازف وتريات وأحد ابرز ممثّلي الموسيقى المسمّاة بالأرابيسك.
وما من شكّ في أن تكبيليك هو احد الموسيقيين الروّاد الذين أسهموا في نشر موسيقى الشرق في البلدان الغربية. كما أن استخدامه للعود والزورنا والقانون والباجلاما والناي ببراعة، أسهم في انتشار وشعبية هذه الآلات الشرقية في الغرب.
ولد عمر فاروق تكبيليك عام 1950 في بلدة اضنة التركية القريبة من الحدود مع سوريا لأب تركيّ وأمّ مصرية. والمعروف أن هذه المدينة ظلّت دائما نقطة اتصال على الحدود بين الإمبراطورية الرومانية وعالم الشرق. لذا كان هناك على الدوام امتزاج ثقافيّ، بالإضافة إلى أن اضنة مشهورة بكثرة الموسيقيّين فيها.
ومنذ صغره اعتاد تكبيليك الاستماع إلى أغاني التراث الصوفيّ. وهو ما يزال يتذكّر كيف كان يستلقي على العشب في مروج الأناضول وهو طفل بينما كان يرعى الغنم ويعزف الناي.
وارتباط عمر فاروق بالتراث الصوفيّ واضح في أعماله. وهو يرى أن الروحانية والموسيقى عنصران متلازمان. "المتصوّفة يؤمنون بالوحدانية، وأينما نظر الصوفيّ فإنه يرى الله. وبالنسبة لي، الموسيقى نوع من العبادة وطريقة للاتصال بالخالق عزّ وجلّ".


في سنوات طفولته، أرسله والده للدراسة في مدرسة دينية. وبعد سبع سنوات تخرّج وعُيّن إمام مسجد. لكن شغفه بالموسيقى أنساه كلّ شيء. "لقد باركني الله في اللحظة المناسبة عندما بدأت الأشياء تتّضح لي، وما كنت اطمح به حقّقه ربّي لي في النهاية".
كانت الموسيقى تصدح في منزل والديه المتديّنين . "كان أبي يستمع إلى إذاعة القاهرة من مذياعه الصغير، وكان على دراية بكافّة أنواع المقامات الموسيقية".
وعندما انتقل عمر إلى اسطنبول، قابل هناك بعض دراويش المولوية، وهي طريقة صوفية قديمة ومشهورة في تركيا. وقد راقته كثيرا طريقة مزجهم للشعر والموسيقى والرقص، وكان لذلك تأثير كبير عليه من الناحية الوجدانية والموسيقية. "إن الله هو أعظم عازف على الإطلاق، وموسيقاه تتردّد في كلّ زاوية من أرجاء هذا الكون، ونحن نسمعها في كلّ حين، وفي النهاية ما نحن سوى نفحة من روح الله".
سجّل تكبيليك وأدّى ألحانه مع موسيقيين آخرين مشهورين، مثل نصرت فاتح علي خان وسيمون شاهين وعابدة برفين. كما تعرّف في الولايات المتحدة، حيث يعيش اليوم، إلى الموسيقيّ والعازف الأمريكيّ برايان كين.
كان كين وقتها يبحث عن موسيقيين كي يشاركوه في تأليف الموسيقى التصويرية لفيلم عن حياة سليمان القانونيّ. وكان تكبيليك في ذلك الوقت يعزف مع فرقة تُدعى "السلاطين". وقد كان عمله في ذلك الفيلم ناجحا جدّا واستمرّ تعاونه مع كين منذ ذلك الوقت وحتى اليوم.
يقول تكبيليك ردّا على سؤال عن هويّة موسيقاه: في الأساس موسيقاي تأتي من بلاد الهلال الخصيب. لكن هذه الأيّام لا توجد حدود، وأنا اعزف موسيقى من تركيا إلى المغرب. الموسيقى عابرة للقوميات، وأنا لا اشعر أنني انتمي إلى بلد معيّن ولا أفتخر بجنسية محدّدة. اشكر بلدي تركيا للأشياء التي منحتني إيّاها، لكني لست موسيقيّا تركيّا".
ويضيف: احمد الله على أن كلّ إنسان يستمع إلى موسيقاي يتماهي معها ويشعر انه ينتمي إليها. إننا جميعا بشر وأبناء آدم، والمشتركات التي تجمعنا كثيرة جدّا. ولا يجب أن ننسى أن البشر مصنوعون من إيقاع ونغم، ونحن نبحث عن التناغم في كلّ شيء".

Credits
omarfaruktekbilek.com

Saturday, August 05, 2017

الرومانسيّة في العالم المعاصر

إذا كنت تعتقد أن الرومانسيّة هي قصائد الحبّ وباقات الورد وشموع الليل المعطّرة، فعليك أن تعيد النظر في فهمك. فالرومانسيّة، في واقع الأمر، اكبر وأشمل من هذه الأشياء والارتباطات البسيطة.
بدأت الرومانسيّة كحركة فنّية وفكرية وأدبية في ألمانيا وفرنسا في منتصف القرن الثامن عشر. وكانت روحها المحرّكة هي الثورة ضدّ المؤسّسة وضدّ القواعد والقوانين والأفكار والصيغ الجاهزة التي طبعت الكلاسيكية.
كان الرومانسيّون يفضّلون الخيال على العقل، والمشاعر على المنطق. وكانوا يرون أن التعويل يجب أن يكون على المشاعر والفطرة كمرشد أساسيّ في الحياة بدلا من العقل والتحليل.
كما كانوا يُعلون من شأن التعبير عن الذات والفردانية ويؤمنون بأن الناس يجب أن يخضعوا لما تمليه عليهم مشاعرهم التلقائية، بدلا من الاحتكام للقواعد والطقوس الباردة التي رسمها المجتمع البورجوازيّ.
وكانوا أيضا ضدّ الآداب والتقاليد الاجتماعية، مفضّلين الصراحة والحديث المباشر. وكانوا يفترضون أن الأطفال أنقياء وطيّبون وأن المجتمع هو الذي يفسدهم.
ومن سمات الرومانسيّة الأخرى أنها تكره المؤسّسات وتمجّد الأفراد الشجعان من خارج المؤسّسة الذين يقاتلون ببسالة ضدّ الوضع الراهن.
كما أنها تحتقر التنظيم ودقّة المواعيد والوضوح والبيروقراطية والصناعة والتجارة والروتين. ورغم أنها تعترف بأن كل هذه الأشياء ضرورية، إلا أنها ترى أنها املاءات تعيسة فرضتها على الناس الظروف غير المواتية للحياة.
والرومانسيّة تفضّل الجديد والخاصّ والنادر والمميّز والاستثنائي على القديم والمتكرّر والرتيب والنمطيّ والاعتياديّ.
تأمّل هذه الحالة: أنت تعيش ضمن ثقافة تمارس عليك ضغطا كي تسايرها، كي تصبح مثل بقيّة الناس، ترغب في ما يرغبون وتفعل مثل ما يفعلون. ثم تبدأ في توجيه السؤال إلى نفسك: هل أصبح شخصا شاذّا أو غريب الأطوار إذا أردت أن أكون مختلفا، فلا ألبس ما يلبس الآخرون ولا أؤمن بما يؤمنون ولا أتصرّف مثل ما يتصرّفون؟
إذا كنت قد فكّرت بمثل هذه الأسئلة، فإن هناك الكثير ممّا يجمعك بالرومانسيّين وبأكثر مما تظنّ. فالرسالة الكبيرة للرومانسيّة هي: كن نفسك ولا تذهب إلى حيث يذهب القطيع.
كان الرومانسيّون أيضا يجنحون نحو الغموض والخرافة، واعتبروا الخيال أداة أو بوّابة إلى التجارب المتسامية والحقائق الروحية.
وقد عادوا إلى القرون الوسطى، إلى الأفكار والأماكن القديمة، وأصبح لديهم اهتمام بالثقافات الشعبية وبأصول الثقافات العرقية والقومية.
وكانوا يؤمنون أيضا بأن الطبيعة امتداد لشخصيّة الإنسان، وأن أنفاس الله تملأ الإنسان والأرض، وأننا لا يمكن أن نصبح سعداء دون أن نرتبط بالطبيعة بمعناها الكبير والشامل.
وأكثر الشعراء والرسّامين الذين نعرفهم اليوم ولدوا من رحم الرومانسيّة، مثل بايرون وشيللي وكيتس وديلاكروا وجيريكو وغويا وفريدريش وبليك وكونستابل وتيرنر وكول وغيرهم. كان حبّ هؤلاء للطبيعة جارفا، وكانت أعمالهم تمتلئ بإشارات كثيرة عن الأشجار والأزهار والجبال والسحب والطيور والأنهار والمحيطات والغابات.. إلى آخره.
كانوا يعتقدون أنهم بالجلوس تحت شجرة وبالنظر إلى ما حولهم واستنشاق الهواء في الطبيعة المفتوحة يتعلّمون الكثير. مرأى وردة يمكن أن يحرّك الدموع في عين شاعر، ومزهرية قديمة يمكن أن تغري رسّاما رومانسيّا بتأمّلها طويلا ورسمها.
وكانوا يُسرّون برؤية المناظر التي لم تمسسها يد الحضارة. وليس بالمستغرب أن أطلال الحضارات القديمة كالإغريق والرومان والمصريين القدماء كانت أفكارا مفضّلة في الشعر الرومانسيّ.
وقد تحدّث الرومانسيّون كثيرا عن الآثار، وعن الأواني والمزهريات والتماثيل والمباني المهدّمة من الثقافات القديمة، ووظّفوا كلّ هذه الأشياء كأداة للتأمّل في مرور الزمن وقِصَر الحياة.
وكانوا أيضا مفتونين بالحياة البريئة لسكّان الأرياف. وحبّ الريف كما يعبّر عنه الأدب الرومانسيّ كان يرافقه غالبا إحساس بالحزن مردّه أن التغيير وشيك وأن طريقة الحياة البسيطة أصبحت مهدّدة بفعل التصنيع وزحف العمران.
الرومانسيّة ما يزال لها وجود في عالم اليوم. ومن الصعب أن تسترسل في الحديث عن أيّ موضوع دون أن تستخدم إشارة أو وصفا رومانسيّا لشرح موقف أو حالة.
لكن هناك من يرى بأن القليل من الرومانسيّة مفيد، والكثير منها ضارّ ويمكن أن يشكّل عقبة في طريق حياتنا.
فبعض رسائل الرومانسيّة قد تدفعنا في اتجاهات خاطئة، فتثير آمالا غير حقيقية وتجعلنا غير صبورين مع أنفسنا. كما أنها تقمع رغبتنا في تفحّص دوافعنا وأفكارنا، ويمكن أن تبعدنا عن حقائق الواقع وتقودنا لأن نندم ونحزن على الظروف الطبيعية للوجود.

Credits
online-literature.com

Sunday, July 30, 2017

إيفان والعنقاء والذئب


كلّ القصص أو الأساطير التي تتضمّن عنصر عنقاء أو ذئب عادةً ما تكون ممتعة ومثيرة للاهتمام. العنقاء لأنه رمز للتجدّد واستمرارية الحياة، والذئب بسبب طبيعته الجدلية والغامضة في مختلف الثقافات.
تشير الأساطير القديمة إلى أن العنقاء (أو طائر النار كما يُسمّى أحيانا) له هيئة أشبه ما تكون بالطاووس، وريشه ذو ألوان برتقالية وصفراء وحمراء لامعة. وعندما يظهر في السماء ليلا فإن نوره يضيء الأرض التي تحته.
والعلامة التي تدلّ على وجود هذا الطائر في بقعة ما هي عندما يعثر شخص على ريشة منه. وبعض الأساطير تقول إن ريشه يشعّ بالضوء حتى عندما يسقط عن جسمه. وكان الملوك في الأزمنة القديمة يسعون بشتّى الطرق لامتلاك هذا الطائر الخرافيّ وأسره وهو حيّ، لأنه - كما تقول الأساطير - يعزّز المكانة ويضاعف الثروة.
لكن الرحلة إليه صعبة جدّا ومحفوفة بالمخاطر. والشخص الذي يُختار لهذه المهمّة يجب أن يتحلّى بالشجاعة والنبل وبالجرأة على اقتحام المخاطر والصعاب.
من جهة أخرى، يُعتبر الذئب أكثر غموضا من العنقاء، وهو حيوان مختلَف عليه كثيرا. فهو طيّب في أساطير الرومان والإغريق، لكنه مرتبط بالخطر والدمار والشيطان في الأساطير الزرادشتية، لأن من خلقه هو اهريمان الشرّير.
وفي الأساطير السلافية، يمكن أن يكون الذئب طيّبا أو شرّيرا، لكن في كلّ الأحوال فإن طبيعته لا تخلو من نبل.
وإحدى أقدم الإشارات عن الذئب وردت في ملحمة غلغامش البابلية. كما ذكره ايسوب الإغريقيّ في أساطيره. وهو مذكور أيضا في الكتب السماويّة. القرآن الكريم، مثلا، ذكره ثلاث مرّات في سورة واحدة.
والواقع أنه نادرا ما يجتمع العنقاء والذئب في أسطورة واحدة. لكن حكاية قديمة من روسيا جمعتهما معا في مغامرة بطلها شخص يُدعى إيفان تساريفتش. وتساريفتش اسم يعني بالروسية ابن القيصر.
كان إيفان الابن الأصغر لأحد قياصرة روسيا، وكان له شقيقان آخران. وتحكي الأسطورة أن هذا القيصر كان يمتلك بستانا كبيرا للتفّاح. وفي صبيحة أحد الأيّام، وبينما كان القيصر يتمشّى في بستانه، ساورته الشكوك بأن شخصا ما يتسلّل إلى بستانه خلسة أثناء الليل ويسرق التفّاح.
لذا أمر الحرّاس بأن يكمنوا ليلا داخل البستان بحثا عن السارق المجهول، لكنهم في النهاية لم يعثروا على أثر لأيّ شيء. واستمرّ اللصّ المجهول يسرق المزيد من التفّاح، ما أدّى إلى ازدياد غضب القيصر.
وقد أتى إليه أبناؤه الثلاثة وتعهّدوا بأن يتناوبوا حراسة البستان على أمل أن يظفروا بالسارق الغامض. وفي الليلة الأولى كان الدور على الابن الأكبر ديمتري ليتولّى مهمّة الحراسة. لكن عندما انتصف الليل، غالبه النعاس فنام. وفي الصباح سأله والده إن كان قد رأى أحدا فأجاب بالنفي.
ثم جاء الدور على الابن الثاني فاسيلي. وحدث له نفس الشيء، إذ عندما انتصف الليل فاجأه التعب فنام. وعندما سأله والده في الصباح إن كان رأى شيئا أجاب بلا.
وفي الليلة الثالثة كان الدور على الابن الأصغر إيفان كي يحرس البستان. وقد اختبأ وراء إحدى الأشجار. وبينما كانت الساعات تمرّ ببطء، أحسّ بالنوم لكنه قاومه.
وبعد منتصف الليل بقليل، فوجئ بأصوات صاخبة وخُيّل إليه انه يسمع صوت اصطفاق أجنحة، ثم أبصر نورا أضاء البستان كلّه. كان النور قويّا وكاشفا كما لو أن آلاف المصابيح أشعلت فجأة وفي وقت واحد.
وعندما حطّ ذلك الشيء على فرع إحدى أشجار التفّاح، أدرك إيفان أن ما رآه كان طائر العنقاء. وأمسك بأنفاسه بينما كان يراقب الطائر بحذر وهو يأكل من الثمار. ثم عدا نحوه بأقصى ما يستطيع كي يمسكه من ذيله، لكنه طار مبتعدا وكلّ ما حصل عليه كان ريشة من ذيله.
وفي الصباح، ذهب إيفان إلى والده وأخبره عمّا رآه في الليلة الفائتة. (لاحظ كيف أن جميع الأساطير تقريبا تشير إلى أن الابن الأصغر هو الذي ينجح دائما في المهمّة أو الامتحان بينما يخفق إخوته الكبار).
بقيّة هذه الأسطورة الممتعة والطويلة إلى حدّ ما تروي كيف أن إيفان قرّر الذهاب في مغامرة طويلة للإمساك بالطائر الجميل وجلبه معه حيّا.
ولحسن الحظ، استطاع كسب تعاطف الذئب الذي ساعده على إتمام مهمّته. (عادة في الأساطير، كلّما كانت المهمّة مستعصية أو صعبة، كلّما تعيّن على البطل البشريّ كي يحقّق هدفه النهائيّ أن ينشد مساعدة كائن آخر له قدرات سحرية أو ميتافيزيقية لا تتوفّر لدى الإنسان).
المهم، في نهاية القصّة، يعود إيفان إلى والده القيصر، ليس بالطائر فقط وإنّما أيضا بقفصه الذهبيّ، وأيضا بأجمل أميرة في تلك النواحي. واللوحات الفنّية التي تجسّد القصّة تصوّر الأميرة واسمها "ايلينا" مع إيفان وهما يمتطيان ظهر الذئب الرماديّ في رحلة العودة من مغامرته.
وعندما يعود إلى المملكة، يقرّر والده تزويجه من الفتاة ويعيش الاثنان في ثبات ونبات، كما تروي الأسطورة.
قصّة إيفان والعنقاء والذئب تتضمّن عدّة عناصر نجدها في بعض أساطير ايرلندا وبلدان شمال أوربّا. وكلّ هذه الأساطير هي أيضا عبارة عن بحث طويل ومضنٍ عن هذا الطائر الذي يعيش في ارض بعيدة ويمكن أن يجلب لمن يصطاده إمّا الحظّ السعيد والثروة الطائلة وإما اللعنة والشقاء الدائم.
الأساطير التي تتحدّث عن العنقاء عادة ما تبدأ بعثور شخص ما على ريشة ضائعة من ذيله. ثم يبدأ البطل مغامرته المثيرة في البحث عن الطائر ومحاولة أسره والعودة به حيّا.
ومن الأشياء اللافتة أن العنقاء، وربّما أكثر من أيّ كائن أسطوريّ آخر، يتمتّع بحضور كبير في الأدب والشعر. كما انه حاضر في العديد من الأعمال الموسيقيّة وأشهرها باليه طائر النار لإيغور سترافنسكي.
للحديث بقيّة..

Credits
ancient-origins.net

Sunday, July 23, 2017

كلام في الموسيقى


بعض محبّي الموسيقى الكلاسيكية كثيرا ما يثيرون في نقاشاتهم بعض الأسئلة والافتراضات والمقارنات التي تتناول حياة الموسيقيّين القدامى وأساليبهم وأثرهم في الأجيال التي أتت بعدهم.
  • وأحد الأسئلة المثارة عادةً هو التالي: أيّهما أعظم، موزارت أم بيتهوفن؟
    - أولا المقارنة بين الاثنين تبدو تبسيطية ومخلّة، لأنهما مختلفان تماما في أسلوبيهما. والمقارنة بينهما مثل أن تقارن بين زهرتين مختلفتين في اللون والرائحة. كما أن المسألة لها علاقة بالذوق والتفضيل الشخصيّ.
    لكن الإحصائيات قد توفّر أحيانا مؤشّرا عن أيّ من الاثنين يتمتّع بشعبيّة اكبر في مرحلة زمنيّة معيّنة.
    موسيقى موزارت فيها دفء متأصّل وشفافية وإحكام. وموسيقى بيتهوفن فيها عمق ومواجهة وتتطلّب من السامع أن يعيرها كلّ اهتمامه.
    ودفء موزارت واضح في العديد من مؤلّفاته الموسيقية. كما أن فيها إنسانية يمكن أن تلمسها خاصّة في أعماله الأوبرالية التي تكشف عن خبرة ومعرفة عميقة بالنفس الإنسانية.
    بيتهوفن أيضا جرّب كتابة الأوبرا مع انه لم يتميّز فيها، وهو كتب أوبرا واحدة فقط هي فيدليو التي لا يرى فيها الكثيرون دليلا على عظمة تأليفه للأوبرا. كما أنها لا ترقى لمعايير موزارت في التأليف الأوبرالي . لكنّها ما تزال تُؤدّى إلى اليوم لأن بيتهوفن هو من ألّفها، وسيستمرّ الناس في سماعها لهذا السبب بالذات.
    وموسيقى موزارت ناعمة ورقيقة في الغالب وليس فيها عصبيّة بيتهوفن ومزاجياته العنيفة.
    وبعض خبراء الموسيقى يذهبون إلى أن موزارت "بسيط" في مؤلّفاته السيمفونية، في مقابل بيتهوفن الذي كان يكتب سيمفونياته بشكل مضنٍ ويراجعها كثيرا إلى أن يحصل على المزاج المطلوب لكلّ لحظة.
    ويقال أن عبقرية موزارت اللحنية تكمن في ذكائه. كان مثلا يؤلّف موسيقاه في ذهنه ويرتّبها قبل أن يجلس ليدوّنها على الورق.
    عندما تسمع موزارت تتخيّل أن الأنغام تتدفّق من أعلى لأسفل ثم إلى قلمه فالورق. وعندما تسمع بيتهوفن تشعر بجهده الجسديّ والذهنيّ الضخم مرتفعا من أسفل لأعلى، وهذا ينطبق حتى على موسيقاه التي ألّفها للغرفة.
    الشيء الجيّد في موزارت هو أن موسيقاه تستحقّ أن تُسمع لا أن تُوصف. وهي لا تشبه الأشياء التي تبلى مع مرور الزمن. إنها تتجدّد مع كلّ أداء، وهي ممتعة دائما، كما أن مستوى نوعيّتها غير عاديّ.
    ومع ذلك هناك من يأخذ على موزارت كثرة التكرار في موسيقاه. قال ناقد ذات مرّة: إختر أيّ قطعة لموزارت لا تتجاوز مدّتها الخمس دقائق. لو سمعتها من عازفين مهرة فستدرك أن التجربة ممتعة بصرف النظر عن خلفيّتك أو مكانك. لكن لو استمعت إليها لمدّة أطول فستشعر بالملل بعد أن تلاحظ التكرار فيها، ومن ثمّ ستفقد اهتمامك.
    بيتهوفن كان جسرا بين الكلاسيكيّة والرومانسيّة. وقد اعتاد الناس على أن ينظروا إليه كإنسان معذّب ومناضل يضع روحه ومشاعره على الورق.
    ذات مرّة فقد شخص ابنه في حادث وقال انه استطاع تجاوز الألم والحزن بفضل موسيقى موزارت. وعلّق احد الحضور بقوله: تخيّل لو انك كنت تستمع إلى بيتهوفن في مثل هذا الظرف، ما الذي كان يمكن أن يحدث لك؟ وأضاف: موسيقى بيتهوفن لا تورّث سوى اليأس والمشاعر المظلمة، وربّما تدفعك لأن تقتل نفسك.
    وطبعا هذا رأي، لكن لا يُعتدّ به كثيرا لأن بيتهوفن كتب الكثير من الموسيقى الهادئة والجميلة والمتأمّلة .
    وموزارت وبيتهوفن، كلاهما، ما يزالان مهمّين بسبب المشاعر التي تعبّر عنها موسيقاهما، فهي تتحدّث إلى الناس مباشرة، وتعبّر عن طيف واسع ومتنوّع من العواطف الإنسانية بطريقة مبدعة.
  • ترى لو أن باخ عاش لفترة أطول وسمع موسيقى موزارت، ماذا سيكون رأيه فيها؟
    - ربّما لو عاش باخ وسمع موزارت لأدرك مدى تأثّر الأخير بموسيقى ابنه يوهان كريستيان باخ الذي كان موزارت يعرفه شخصيّا. وبلا شكّ كان باخ سيقدّر موهبة موزارت وأناقة وجمال أنغامه. ولو عاش أطول لأثّر في موسيقى موزارت بشكل أو بآخر.
    عندما كان موزارت حيّا، كان متأثّرا كثيرا بموسيقى يوهان كريستيان . وكان أسلوب باخ الابن مختلفا عن أسلوب والده، لأن الأب توفّي عندما كان عمر كريستيان خمسة عشر عاما. ولهذا أصبح الابن متحرّرا من نفوذ والده أكثر من إخوته الآخرين الأكبر سنّا.
  • ماذا لو لم يمت موزارت عام 1791؟
    - قال احد أساتذة الموسيقى: لو قُيّض لموزارت أن يعيش عشر سنوات أخرى لما كانت هناك حاجة لبيتهوفن. وطبعا هذا الكلام مبالغ فيه أيضا وبعيد عن الواقع.

  • لكن السؤال الأهمّ هو: لماذا ترك موزارت خلفه أعمالا موسيقية كثيرة ومشهورة رغم وفاته في سنّ الخامسة والثلاثين؟
    - أحد الأسباب المهمّة هو انه كان في زمن موزارت قواعد محدّدة وراسخة لكتابة الموسيقى. وكان موزارت يحترم تلك القواعد رغم انه أحيانا كان يغيّر ويعدّل فيها.
    ولو اخترنا مقطوعة من موسيقى القرن العشرين وأعطيناها إلى موزارت ليسمعها في زمانه فسيندهش كثيرا، لأنها لا تتّبع القواعد الموسيقية التي كانت سائدة في عصره والتي كانت تساعد المؤلّفين على كتابة الموسيقى بوتيرة سريعة.
    أيضا من أسباب غزارة إنتاج موزارت انه تعلّم مهارات التأليف في سنّ مبكرة، رغم انه لم يبلور أسلوبه الشخصيّ إلا خلال العشرية الثانية من عمره. وفي ذلك الوقت لم يكن هناك مُلهيات تصرفه عن التأليف الموسيقيّ كألعاب الفيديو والكمبيوتر وخلافه.
    وفي زمن موزارت لم يكن هناك أساليب موسيقية كثيرة كما هو الحال هذه الأيّام. ولهذا السبب كان من السهل عليه التركيز على أسلوب موسيقيّ واحد.
    كانت موسيقاه غزيرة جدّا رغم قصر عمره، كما أن نوعيّتها مذهلة . وكانت تجمع بين صفاء المفهوم وجمال التنفيذ بحيث لم يكن بمقدور احد من معاصريه أن ينافسه. وخلافا لما تزعمه هوليوود، لم تكن الموسيقى تأتي من رأسه مباشرة ودون جهد، بل كان يضع اسكتشات ويصحّح أعماله ويهتمّ بالتوليف كثيرا.
    ثم لا ينبغي أن ننسى أن موزارت، وعلى العكس من معظم مجايليه، تدرّب منذ سنّ مبكّرة جدّا كي تكون الموسيقى مهنته الأولى والوحيدة.
    من سمات موسيقى موزارت أيضا أن لا شيء فيها فائض أو زائد عن الحاجة. بمعنى انه كان يستخدم العدد الصحيح من النوتات والذي يحقّق اكبر تأثير. كان يجلس إلى مكتبه ويفكّر في أيّ النوتات يمكن الاستغناء عنها، في حين أن غالبية الموسيقيين يركّزون على النوتات التي يمكنهم إضافتها.
    وموسيقى موزارت، وأكثر من أيّ مؤلّف موسيقيّ آخر، مؤثّرة بعمق في الثقافة المعاصرة. إذ لا يمكن تخيّل عدد المرّات التي عُزفت فيها أعماله في عروض الأزياء وفي الأفلام والإعلانات.
  • ترى لو استمع الموسيقيّون الكلاسيكيّون، مثل موزارت وباخ وبيتهوفن، لموسيقى وأغاني هذه الأيّام، كيف سيكون ردّ فعلهم؟
    - اغلب الظن أنهم لن ينظروا إليها بارتياح لأن آذانهم لم تألفها، وقد يجدون في نشازها الهارموني وفي القواعد المكسورة والإيقاعات المتكرّرة والأصوات الالكترونية أشياء لا تنتمي إلى عالمهم. لكن قد يُظهِرون بعض الاهتمام ببعض نماذج موسيقى البوب والجاز التي ظهرت قبل ثلاثين أو أربعين عاما.
    باخ الذي كتب بعض أفضل موسيقى عصر الباروك ، كان ينظر بازدراء للأساليب الموسيقية المبسّطة التي كانت رائجة في زمانه. وقد اخبر احد أولاده مرّة بأنها موضة عابرة ولن تدوم طويلا.
    وموزارت أيضا كان دائم الانتقاد لبعض معاصريه من الموسيقيين، وكان يعتبر هايدن فقط مكافئا له. وعندما سمع بعض موسيقى باخ قال: أخيرا هذا شخص يمكنني أن أتعلّم منه".
  • لماذا الموسيقيّون الكلاسيكيون المعاصرون، ابتداءً من الثلث الأخير من القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن العشرين، والذين يتمثّلون خطى الكلاسيكيين الأوائل لم يحقّقوا نجاحا معتبرا ولم يُكتب لأعمالهم ما يكفي من الانتشار والذيوع؟
    - أوّلا لنتذكّر أن معظم الكلاسيكيين، بمن فيهم باخ وبيتهوفن وموزارت، لم يُعترف بهم أثناء حياتهم كمعلّمين عظام، ولم يعرفهم الناس إلا بعد موتهم بزمن طويل.
    وربّما بعد مائتي عام من الآن سيعرف الناس أعمال بعض الموسيقيين المعاصرين بعد أن تكون موسيقاهم قد صمدت أمام امتحان الزمن.
    ثم انه في أيّام موزارت، كانت معظم الموسيقى تُكتب كي تكون خلفية لحدث أو حفل. فالملوك والنبلاء الذين يدعون الناس للمآدب كانوا بحاجة لموسيقى ترافق الطعام. وباستثناء الأوبرا التي كانت الشكل الموسيقيّ المفضّل عند موزارت، كانت الموسيقى تعامَل مثل ورق الحيطان.
    وهذه الأيّام لا يكاد الناس يسمعون في قاعات الموسيقى أيّا من أعمال كوبلاند أو إلغار أو اينسكو أو فوريه أو غيرشوين أو غيرهم من الموسيقيين المعاصرين. وعادة إذا كانت قاعات الموسيقى الكبيرة تريد أن تبيع تذاكر كثيرة، فإنها تركّز على موسيقى موزارت أو باخ مثلا. وإذا كان احد لا يسمع شيئا من موسيقى هذه الأيّام ذات النفَس الكلاسيكيّ، فقد يكون السبب أن معظم ما يُكتب غير مبهج ولا يلفت انتباه احد.
    لكن الأكيد أن الفنّ يتغيّر باستمرار وكذلك أذواق الجمهور. ويبدو انه لم يعد هناك من يكتب للأوبرا، بل أصبح الموسيقيون هذه الأيّام يركّزون على تأليف موسيقى للأفلام. ومعظم موسيقى الأفلام اليوم رديئة، والقليل منها يستحقّ السماع مثل موسيقى جون وليامز وغابرييل ياريد وألان سيلفستري وجون باري وجيمس هورنر وغيرهم.

  • Credits
    classicalarchives.com

    Monday, July 17, 2017

    السجّاد الشرقيّ في الرسم الأوربّي

    الشعبية الكبيرة التي اكتسبها في أوربّا السجّاد الشرقيّ المنسوج في العالم الإسلاميّ ابتداءً من القرن الرابع عشر فصاعدا تعكسها التصاوير المتكرّرة لهذا السجّاد في لوحات الرسم الأوربّي.
    وتُعتبر تلك اللوحات مصدرا أساسيّا للخبرة في السجّاد الشرقيّ المبكّر. وهناك مجموعات عديدة من السجاجيد الإسلامية من الشرق الأوسط تُسمّى اليوم بأسماء الرسّامين الأوربّيين الذين رسموها وضمّنوها في لوحاتهم، مثل لورنزو لوتو وهانز هولبين ودومينيكو غيرلاندايو وكارلو كريفيللي وهانز ميملينغ .
    وهؤلاء الرسّامون تُستخدم أسماؤهم اليوم لتصف مجموعات معيّنة من السجّاد المنسوج في تركيا العثمانية على وجه الخصوص.
    منذ عصور المسيحية المبكّرة أصبح امتلاك سجّاد من قماش نفيس من الشرق مرتبطا بالثروة والقداسة. وعندما رسم الفنّان الايطالي دوتشيو قصّة الأشخاص الذين فرشوا سجاجيدهم تحت أقدام المسيح، فإنه إنّما كان ببساطة يجدّد مفهوما ثقافيّا قديما.
    وهناك لوحة من القرن الخامس عشر رسمها جيوفاني دي باولو بعنوان المادونا والطفل مع ملاكين تصوّر سجّادا قديما ونادرا من تركيا مفروشا تحت قدمي العذراء. وتكرّرت صورة ذلك السجّاد كثيرا في ايطاليا من خلال بعض الصور التي كانت تتضمّن موتيفات لحيوانات مصوّرة بدقّة.
    وبحلول القرن السادس عشر، أصبح السجّاد يُرسم في البورتريهات كرمز للبراعة والتعليم والمكانة الاجتماعية والاقتصادية العالية.
    وهناك بورتريه رسمه موريتو دي بريشيا يظهر في أسفله إطار صغير من السجّاد الأناضوليّ المعاصر من تركيا العثمانية. أما تصميم بقيّة البورتريه فقد ظلّ لغزا.
    وبحلول القرن السابع عشر، باتت صور السجّاد في اللوحات الفنّية منظرا مألوفا في جميع أرجاء أوربّا. وهناك عدد من الأمثلة عن "سجّادة لوتو"، وأقدمها تذكّر بالخطّ الكوفيّ.
    وفي أعمال أخرى مثل لوحة يان بريغل وروبنز بعنوان حفل اخيليوس ، نرى قصّة من كتاب التحوّلات لـ أوفيد مرسومة كوليمة معاصرة مع سجّادة جميلة تظهر على قماش مائدة في يمين اللوحة، وهي من تصميم الرسّام لوتو وتصوّر ارابيسك احمر واصفر من وسط تركيا.
    ومثل هذا النمط كان مفضّلا في أوربّا. ففنّان القرن السابع عشر نيكولاس مايس، مثلا، رسم امرأة تقشّر التفاح وتجلس إلى جوار طاولة مغطّاة بسجّادة لوتو فارهة.
    السجّاد المنسوج في سوريا كان نادرا جدّا في أوربّا. لكن هناك لوحة لغابرييل ميتسو عنوانها حفلة موسيقية تُظهر موسيقيَّين، رجلا وامرأة، يجلسان أمام طاولة مغطّاة بسجّاد ذي زخارف هندسية الأشكال من سوريا في بدايات القرن السابع عشر. أما لوحة ميتسو الأخرى بعنوان شابّ يكتب رسالة فتظهر فيها سجّادة ميداليون كبيرة تطلّ من طرف طاولة.
    سجاجيد الميداليون المنسوجة في اوشاك بوسط غرب تركيا كانت أيضا تُرسم بشكل متكرّر في اللوحات الأوربية. في اللوحة الجذّابة لجيرارد بورش الابن بعنوان امرأة تعزف اللوت "أو العود" ، تظهر سجّادة ميداليون صغيرة من غرب الأناضول بتصميم غير مألوف على الطاولة أمام العازفين.
    ورغم أن نتاج الرسّام الهولندي يوهان فيرمير من اللوحات قليل، إلا أن جزءا من أعماله يحتوي على رسومات شرقية. وأشهرها اثنتان، الأولى خادمة نائمة وتتضمّن نوعين مختلفين من السجّاد التركيّ المصنوع في القرن التاسع عشر. بينما تظهر في اللوحة الثانية وهي امرأة مع إبريق ماء سجّادة فارسية ناعمة وذات نسيج سميك فوق الطاولة مع تصميم ارابيسك زهريّ على خلفية حمراء.
    تقليد إظهار سجّاد على طاولات في منازل الطبقة الرفيعة استمرّ حتى القرن الثامن عشر. في لوحة الرسّام الايطالي بييترو لونغي بعنوان حفل موسيقيّ ، نرى قطعة سجّاد من غرب الأناضول موضوعة فوق طاولة في ديكور ايطاليّ جميل.
    وعندما أصبح السجّاد في أوربّا اقلّ تكلفة، تمّ استيراد كميّات كبيرة منه لاستخدامه في تغطية الأرضيّات. الرسّام فرانسيس ويتلي في لوحته عائلة سيثويت يصوّر زوجين ارستقراطيين انجليزيين مع ابنتهما على قطعة فخمة من السجّاد مصنوعة في اوشاك في القرن الثامن عشر.
    وفي فرنسا، في بدايات القرن التاسع عشر، رسم جان دومينيك اوغست آنغر، المعجب بفنّ عصر النهضة، لوحة بعنوان بورتريه جاك لابلانك ، وفيه تظهر طاولة مغطاة بالسجّاد مع كتب ورسالة أو مخطوط مكتوب باليد.
    وهذه التفاصيل تشير إلى تقليد في الرسم الأوربّي يرتبط فيه السجّاد، ليس فقط بالحالة الاقتصادية والاجتماعية، وإنّما أيضا بالعلم والمعرفة. السجّادة الصغيرة الموضوعة على الطاولة مصنوعة في الأناضول وتعود إلى القرن الثامن عشر.
    سجّاد الرسّام لوتو ذو الأنماط والمنسوج باليد أنتج أساسا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر على طول شاطئ ايجه بالأناضول. لكنه كان يُستنسخ في أجزاء أخرى من أوربّا. ويميّزه ارابيسك مزخرف بأرضية صفراء وحمراء وتفاصيل زرقاء عادة.
    وسجّاد لوتو يُقصد به تضمين السجّاد في اللوحات أنماطا متميّزة كان أوّل من ابتكرها رسّام فينيسيا في القرن السادس عشر لورنزو لوتو.
    ويقال أن لوتو كان يمتلك سجّادة كبيرة رغم أن أنماطها غير معروفة. وكانت تلك السجّادة تبدو مختلفة عن سجّاد الرسّام هولبين. لكن يمكن القول أنها تطوير لذلك النوع، إذ يظهر على أطراف الموتيفات فيها أرابيسك يتألّف من نباتات في نهاياتها أغصان.
    وهذا النوع كان شائعا قديما ويُعرف بـ ارابيسك اوشاك . وما يزال بالإمكان رؤيته في لوحات الرسّامَين الاسبانيَّين موريللو وزورباران من القرن السابع عشر وكذلك في بعض اللوحات الهولندية.
    رسومات السجّاد الشرقيّ في اللوحات الأوربّية والأمريكية استمرّت حتى القرن العشرين من خلال لوحات هنري ماتيس والأمريكيّ غلاكينز.
    وما تزال ألوان السجّاد الشرقيّ وأنماطه الفريدة والجميلة تفتن الرسّامين والمصمّمين حتى وقتنا الحاضر.

    Credits
    metmuseum.org

    Tuesday, July 11, 2017

    رحلة مع اللون والنغم


    العلاقة المتبادلة بين الرسم والموسيقى معروفة منذ القدم. وهناك العديد من المؤلّفات الموسيقية المشهورة المستوحاة من لوحات تشكيلية. مثلا، استلهم الموسيقي الروسيّ موديست موسورسكي مُتواليته الموسيقية بعنوان صور في معرض من عشر لوحات للرسّام الفرنسيّ فيكتور هارتمان كان قد رآها في احد المعارض الفنّية في سان بطرسبورغ عام 1874.
    كما استوحى سيرغي رحمانينوف موسيقاه بعنوان جزيرة الموتى من لوحة للرسّام السويسري ارنولد بوكلين بنفس الاسم . بوكلين في لوحته، ذات النسخ الخمس، يصوّر جزيرة صخرية مقفرة يحيط بها الماء من كلّ جانب. وأمام بوّابتها يتحرّك قارب صغير تقف في مقدّمته امرأة ترتدي ملابس بيضاء، وأمامها تابوت زوجها الملفوف بأردية بيضاء.
    وفي وسط الجزيرة تظهر مجموعة من أشجار السرو التي تذكّر عادة بطقوس الحداد وأجواء المقابر. والانطباع الذي توصله الصورة هو الخراب واليأس والترقّب. وقد نقل رحمانينوف هذه المشاعر والأجواء في موسيقاه بعد أن رأى اللوحة.
    وهناك أيضا الموسيقى المسمّاة ثلاثية بوتيتشيلليانو والتي ألّفها الموسيقيّ الايطاليّ اوتوريني ريسبيغي في مارس من عام 1927. وهي عبارة عن متوالية من ثلاثة حركات، تعتمد كل واحدة على لوحة من لوحات رسّام عصر النهضة الايطالي ساندرو بوتيتشيللي. وقد خصّص الحركة الأولى منها لتعبّر عن أجواء لوحة بوتيتشيللي المسمّاة الربيع ، بينما خصّص الحركة الثالثة لـ مولد فينوس .
    كما استلهم الموسيقيّ الفرنسيّ كلود ديبوسي موسيقاه بعنوان البحر من اللوحة المشهورة الموجة الكبيرة قبالة شاطئ كاناغاوا للرسّام اليابانيّ كاتسوشيكا هوكوساي (1831 ).
    وفي عام 1857، ألّف فرانز ليست معزوفة بعنوان معركة الهون بعد أن رأى لوحة الرسّام النمساويّ وليم فون كولباك بنفس الاسم.
    لوحة كولباك تصوّر معركة وقعت عام 1451 بين جيوش الهون بقيادة اتيلا من جهة وبين التحالف الرومانيّ بقيادة الجنرال فلافيوس اييتيوس وملك القوط ثيودوريك من جهة أخرى. ويقال أن تلك المعركة كانت ضارية جدّا، لدرجة أن أسطورة تقول أن أرواح المحاربين استمرّت تتقاتل في السماء بينما كانت في طريقها إلى العالم الآخر.
    بالمقابل، هناك رسّامون أنتجوا صورا استوحوها من أعمال موسيقية. مثلا، استلهم الرسّام موريتز فون شويند لوحته سيمفونية من موسيقى فانتازيا للبيانو لبيتهوفن . وقد تخيّل الرسّام لوحته كجدار لغرفة الموسيقى الخاصّة ببيتهوفن، ونسج في كلّ جزء من لوحته قصّة حبّ تتناغم مع جوّ كلّ حركة من حركات تلك الموسيقى.
    ومن المثير للاهتمام أن فون شويند استلهم بعض لوحاته الأخرى من موسيقى شوبيرت. كان من عادة هذا الرسّام أن يسجّل في صوره مراحل معيّنة من حياته، وقد اسماها "صور سفر".
    لوحته المشهورة الوداع عند الفجر صوّر فيها بطريقة شاعرية رحيله عن فيينا قبل ذلك التاريخ بثلاثين عاما. لكن في نفس الوقت كانت اللوحة ترجمة الرسّام لأحد مقاطع شوبيرت في موسيقاه رحلة الشتاء والذي يردّد فيه الشخص المتجوّل جملة تقول: أتيت غريبا .. وغريبا أرحل".
    موسيقى شوبيرت هذه هي نوع من الميلودراما الغنائية. والصوت الشاعريّ هو مركز الثقل فيها، بينما تجسّد نغمات البيانو لاوعي المتجوّل الذي يقدّم تصويرا للعالم الخارجيّ.
    ولوحة شويند تمسك بتلك اللحظة المصيرية والغامضة التي يلتفت فيها المتجوّل إلى الوراء، وربّما إلى الأمام في نفس الوقت. والمعروف أن الرسّام كان عاشقا للموسيقى وصديقا مقرّبا من شوبيرت. ومن الواضح أن تلك العلاقة أسهمت في صوغ تطوّره الروحيّ والإبداعيّ كرسّام.
    وهناك أيضا لوحة لفريدريك ليتون اسمها أغان بلا كلمات . وقد رسمها بعد أن استمع إلى قطعة للموسيقي الألماني فيليكس ماندلسون بنفس العنوان.
    كما رسم الفنّان الهولندي بيت موندريان لوحة اسماها برودواي جاز وملأها بالخطوط الصفراء والمربّعات الحمراء والزرقاء والبيضاء. وكان غرضه أن يخلق إيقاعا يشبه ديناميكية موسيقى الجاز التي سمعها لأوّل مرّة بعد أن وصل إلى نيويورك مهاجرا في سبتمبر من عام 1940م.

    Credits
    petermedhurst.com

    Thursday, July 06, 2017

    روبنز: هوميروس الرَّسم


    أينما نظرت في تاريخ الفنّ، لا بدّ أن ترى أثرا لبيتر بول روبنز؛ الفنّان الذي يقال انه أوّل من رسم البورتريه الفخم وأوّل من ابتكر قوس قزح في الرسم.
    من دون رسومات روبنز، كيف كان يمكن، مثلا، أن يتطوّر موريللو وفان دايك؟ وهل كان استشراق القرن التاسع عشر سيأخذ شكله المعروف لولا لوحات روبنز المبكّرة والمثيرة التي تصوّر مناظر صيد التماسيح والقطط الكبيرة ؟ وهل كان بيكاسو سيرسم غورنيكا لو انه لم يرَ مثال روبنز عن ويلات الحروب في لوحته عواقب الحرب ؟
    يمكن اعتبار روبنز شخصا مميّزا واستثنائيّا. شخصيّته الساحرة وسلوكه المتّزن وسرعة بديهته وإتقانه للعديد من اللغات جعل منه أيضا دبلوماسيّا ومبعوثا مرموقا. حياته الخاصّة كانت متميّزة أيضا. كان وسيما، لائقا صحّيّا، وكاريزماتيّا وبعيدا عن الحسد والضغينة والتنافس.
    والناس اليوم يشيرون إلى روبنز على انه "الفنّان الذي رسم كلّ ذلك العدد الكبير من صور النساء ". وأثناء حياته ولثلاثة قرون بعد وفاته، كان يُنظر إليه كنموذج للانجازات الفنّية والاجتماعية. وعلى العكس من معاصره رمبراندت الذي عانى وتعثّر كثيرا في حياته وكان مثالا للرومانسيّ البائس، كانت حياة روبنز مليئة بالنجاح والشهرة والمال.
    كان روبنز قادرا على فعل كلّ شيء ما عدا شيء واحد: أن يجد طريقه إلى قلوب الانجليز. في أوربّا، ظلّ دائما يُعامَل باحترام كبير. أحد النقّاد الفرنسيين من القرن التاسع عشر قال عنه إن الطبيعة البشرية بأسرها في متناول فنّه، باستثناء الأفكار المثالية والسامية".
    وقد استطاع أن يؤثّر على الكثيرين من معاصريه، مثل فان دايك وفيلاسكيز ورمبراندت، وترك بصمته على الكثيرين ممّن أتوا بعده.
    لم يكن روبنز مجرّد رسّام غزير الإنتاج، بل كان أيضا دبلوماسيّا وجامع آثار وشخصيّة أوربّية جامعة استطاعت أن تتنقّل بسهولة بين قصور ملوك القارّة، بما فيها بلاط تشارلز الأوّل ملك انجلترا.
    لكن كلّ هذا لم يُكسِبه محبّة البريطانيين الذين لم يكن يعجبهم النمط الأوربّي الناعم الذي كانوا يرونه في فنّ روبنز. وبوصفه أعظم رسّامي الشمال، فقد ظلّ الكثيرون ولزمن طويل ينظرون إليه باعتباره مخلب قطّ للمؤسّسة الكاثوليكية وخبير دعاية بارعا لها.
    وفي بعض الأحيان، اُتّهم بأنه كان يدير مصنعا للرسم أنتج عددا كبيرا من أعمال الاستديو التي لم تكن تحمل سوى القليل من بصمة المعلّم، أي روبنز. كان من عادته أن يضع نموذجا مصغّرا للوحة ويرسم الوجه والذراعين، ثم يكلّف احد مساعديه بإتمام باقي المهمّة.
    والانجليز ليسوا الوحيدين الذين كانوا ينظرون إلى روبنز وفنّه بتحفّظ، بل لقد انتُقد كثيرا من معاصريه بسبب أشكاله المشوّهة ووجوهه النمطية. كما أن ألوانه الحسّية وتوليفاته الدينية كانت سببا آخر للتشكيك في فنّه.
    في القرن التاسع عشر، قال عنه فان غوخ انه سطحيّ وأجوف ومنمّق. وحتى مؤيّديه، والكثيرون منهم رسّامون وخبراء رسم، كانوا يشعرون غالبا بأنه من الضروريّ أن يقرنوا ثناءهم عليه بملاحظات ناقدة.
    مثلا، كان اوجين ديلاكروا يعتقد أن روبنز حصل على شهرة يندر أن حظي بها رسّام آخر. لكن كان يأخذ عليه ملء فراغات لوحاته بأعداد كبير من الأشخاص والجميع فيها يتحدّثون في وقت واحد".


    وحتى جون راسكين الذي كتب مُشيدا بعقلية روبنز وأصالة فنّه وتفوّقه حتى على تيشيان ورافائيل، أخذ عليه افتقار أعماله للجدّية وخلوّها من العاطفة الحقيقية.
    غير أن كلّ هذه الانتقادات تظلّ في النهاية مجرّد أحكام عامّة ولا تنطبق على مجموع أعمال روبنز الكاملة والتي يفوق عددها الألف وخمسمائة صورة.
    روبنز، بكلّ تنوّعه، موضوع كبير وواسع. صحيح انه رسم قصصا دينية، لكنه أيضا رسَم بورتريهات لبعض أعظم الأشخاص في زمانه. كما رسم مشاهد من الميثولوجيا الكلاسيكية ومناظر طبيعة مثيرة للذكريات وصورا مجازية من التاريخ القديم والمعاصر.
    ولا يمكن أيضا نسيان صوره المعبّرة لمعارك وعمليات صيد عنيفة، ولا صوره العائلية التي رسمها بأقصى درجات الرقّة والإتقان.
    ورغم انه كان من الناحية الفنّية رسّاما فلمنكيّا، إلا انه كان في نفس الوقت شخصيّة أوربّية شاملة منذ البداية. والده كان كالفينيّا (نسبة إلى المصلح البروتستانتيّ كالفين)، وقد هرب الأب من انتورب إلى كولونيا عام 1568 عندما وصل دوق ألبا لإعادة الكاثوليكية بحدّ السيف إلى الأراضي المنخفضة الاسبانية، ردّا على النفوذ المتصاعد للبروتستانتية.
    روبنز نفسه وُلد في وستفاليا. وبعد فترة قصيرة من موت والده في عام 1587، عاد هو ووالدته إلى انتورب وتحوّلا إلى الكاثوليكية. ورغم تحوّله، إلا انه تلقّى تعليما كلاسيكيّا وإنسانيّا وتلقّى تدريبا فنّيّا على أيدي ثلاثة من أشهر رسّامي انتورب وقتها.
    لكن أسلوبه لم يتبلور تماما إلا بعد رحلته إلى ايطاليا التي سافر إليها ما بين عامي 1600 و 1608، وهناك استطاع بفضل مواهبه الرسميّة والشخصيّة الوصول إلى بلاط دوق غونزاغا. ثم بدأ من هناك رحلته الكبيرة إلى فينيسيا وفلورنسا وجنوا وروما لكي يستنسخ بعض اللوحات لمصلحة الدوق.
    ذائقة روبنز الفنّية كانت عالية كما تعكسها لوحاته التي رسمها في ما بعد والتي تأثّر فيها بفنّ ميكيل انجيلو وتيشيان وكارافاجيو.
    كان دوق غونزاغا أوّل من اعترف بقدرات روبنز الدبلوماسية، فبعثه إلى اسبانيا عام 1603 مع عدد من الهدايا للملك فيليب الثالث. وقد عيّنه الملك رسّاما للبلاط قبل أن يتّخذ منه سكرتيرا له ومبعوثا شخصيّا.
    وفي عام 1608، عاد إلى انتورب مع سريان هدنة حرب الإثني عشر عاما بين اسبانيا وانفصاليي جنوب هولندا في عام 1609. وقد شكّلت تلك الفترة بداية عصر جديد من السلام والنموّ الاقتصاديّ الذي استفاد منه روبنز، خاصّة مع الطفرة الكبيرة في بناء دور العبادة وترميمها وتزيينها.
    ثم عُيّن روبنز بعد ذلك رسّاما لبلاط الأمير البيرت والأميرة ايزابيللا، الوكيلين الاسبانيين لأسرة هابسبيرغ في حكم بلاد الفلاندرز، وهي وظيفة أعفته من دفع الضرائب وسمحت له بتأسيس مرسم خاصّ به.
    وفي تلك الفترة أيضا، اقترن بزوجته الأولى ايزابيللا برانت التي أنجب منها ثلاثة أطفال وعاش معها بسعادة في بيت اشتراه وأعاد تصميمه على الطراز المعماريّ الايطاليّ.
    كان روبنز يقدّر موهبته الفنّية جيّدا ويعرف أنه مُهيّأ بالفطرة لرسم الأعمال الضخمة أكثر من الصغيرة. وما عزّز هذا الشعور في نفسه هو اتّصافه بمستوى عالٍ من التجاوز والإقدام الفنّي.


    وكان محسودا من الكثيرين، ليس بسبب مهارته كرسّام فحسب، وإنّما أيضا بسبب خصاله ومناقبه التي مكّنته من النفاذ إلى داخل دوائر السلطة.
    في أواخر 1620، كلّفته الأميرة ايزابيللا، باعتباره مستشارها السرّيّ، بالقيام بعدّة مهامّ لاستعادة العلاقات بين بلده هولندا وانجلترا. وكانت زيارته اللاحقة للندن ناجحة دبلوماسيّا وفنّيّا.
    وأثمرت جهوده تلك، مع آخرين، في وضع نهاية للحرب الاسبانية الانجليزية عام 1630. وقد أنعم عليه تشارلز بلقب فارس، ثم كلّفه بإنجاز بعض المهامّ الفنّية، ومن بينها رسم سقف دار الضيافة في الوايتهول.
    في ذلك الوقت، تخلّى روبنز عن وظيفته الدبلوماسية وقرّر أن يعود إلى الرسم وإلى زوجته الثانية والجديدة هيلينا فورمنت التي عقد عليها بعد وفاة زوجته الأولى ايزابيللا عام 1626. وكانت صوره التي رسمها في ما بعد لهيلينا من بين أعظم لوحاته، وقد منحته خمسة أطفال أصغرهم وُلد بعد ثمانية أشهر من وفاته.
    إنتاج روبنز في العقد الأخير من حياته اتسم بطابع شخصيّ، وقد اكتفى برسم مناظر للريف والحياة القروية حول ضيعته الجديدة خارج انتورب. وفي تلك اللوحات رسَم الفنّان عالما من السلام والتوازن يتناقض كليّةً مع واقع أوربّا آنذاك، حيث كانت حرب الثلاثين عاما في ذروة استعارِها.
    وبسبب مكانته كرسّام بارز في عصره، فإن مجموعة أعماله الكاملة أعيد استنساخها وتوزيعها بمختلف وسائل الحفر والنقش.
    ووصلت طبعات صوره الدينية إلى كلّ زاوية من زوايا العالم الناطق بالاسبانية، واستخدمها المبشّرون في المستعمرات. ويمكن العثور على آثار من روبنز في كنائس القرى المتناثرة في أرجاء بيرو والمكسيك والفلبّين وغيرها.
    كما ظهرت نسخة من إحدى لوحاته منقوشةً على إناء من الخزف الصينيّ يعود تاريخه إلى بدايات القرن الثامن عشر.
    وفي أوربّا نفسها، انجذب فنّانون كثر ومن جنسيات مختلفة إلى التنوّع الذي يميّز رسومات روبنز. فالانجليز أحبّوا لوحاته عن الطبيعة، والألمان أعجبوا بحيويّة صوره، والأسبان وجدوا في لوحاته الدينية مصدرا للإلهام، والفرنسيون ذُهلوا من مناظره الحسّية. واستمرّ هذا التأثير لزمن طويل.
    أتباع روبنز الفرنسيّون كانوا كثيرين، من فاتو وبوشير وفراغونار إلى مانيه ورينوار وسيزان وغيرهم.
    أما عندما يتعلّق الأمر برسم المناظر العنيفة، فإن روبنز كثيرا ما كان يُستخدم كموجّه ودليل. لوحته اصطياد نمر وفهد وأسد (فوق) تصوّر صراعا عنيفا حتى الموت بين بشر وحيوانات. وقد استلهمها رسّامون مثل رمبراندت وديلاكروا ولاندسير وبوكلين ورسموا مشاهد شبيهة.
    ليس من الخطأ القول بأن لروبنز الفضل في ابتكار العديد من الأنماط الصُورية. لكن يجب أن نتذكّر أنه، هو نفسه، مدين لمن سبقوه من الرسّامين ممّن رأى أعمالهم في بداياته مثل ميكيل انجيلو ورافائيل وغيرهما.
    وقد ظلّ يرسم حتى اللحظات الأخيرة من حياته، عندما مات بمرض النقرس عام 1640 عن ثلاثة وستّين عاما. غير أن وفاته كانت مجرّد محطّة عابرة في "الروبنزية"، فقد استمرّ تأثيره ومثاله في أوربّا وفي العالم حتى اليوم.

    Credits
    peterpaulrubens.net
    theguardian.com

    Wednesday, June 28, 2017

    نُور العالَم

    العلم يقول لنا أشياء كثيرة عن الضوء. لكن هذه الأشياء تقود إلى تساؤلات أخرى أكثر غموضا. والعلماء ما يزالون في حيرة من أمر هذه الظاهرة التي ما تزال تخفي الكثير من أسرارها.
    لكن يمكننا أن نلمح شيئا من طبيعة الضوء عندما تتخلّل أشعّة الشمس غرفة مملوءة بالغبار، أو عندما يظهر قوس قزح بعد عاصفة رعدية أو بعد هطول المطر.
    في إحدى غرف متحف تيت البريطانيّ، توجد لوحة كثيرا ما تجتذب أعدادا كبيرة من الزوّار. عمر اللوحة مائة وثلاثون عاما، وهي مرسومة بالألوان الزيتية، وطولها حوالي سبعة أقدام.
    في اللوحة، تظهر فتاتان صغيرتان في بدايات المساء وهما تقفان في حديقة للزهور وتضيئان مصابيح ورقية.
    كان طموح الفنّان الذي رسمها، وهو جون سنغر سارجنت، أن يمسك بالوهج السريع للشفق، رغم أن المهمّة كانت على ما يبدو عصيّة ومراوغة.
    وقد كتب الرسّام إلى شقيقته يخبرها، بشيء من الإحباط، كيف أن التأثير الذي حاول أن ينقله إلى اللوحة لم يستمرّ سوى عشر دقائق، وهي فترة غير كافية لنقل الانطباع إلى القماش.
    لكن لو وقفت أمام اللوحة اليوم لتعجّبت من خاصيّة الضوء الذي يشعّ منها. فوهج الشفق يسقط على بتلات الأزهار وعلى الوجهين الناعمين للطفلتين، بينما ينبعث عن المصابيح الورقية شعاع برتقاليّ قويّ وأخّاذ.
    هناك شيء ما غامض في لوحة سارجنت هذه. ويمكن القول أنها تختزل علاقة الإنسان بالضوء. فنحن، ودون أن نشعر أحيانا، نجري خلف الضوء ونعامله بشيء من التقديس ونخلع عليه شعورا بالاحتفاء والدهشة.
    انه نفس الإحساس الذي يساورنا ونحن نرقب عرضا للألعاب الناريّة ، أو منظرا للشفق القطبيّ ، أو تجربة من تجارب حقول الضوء ، أو عندما نصغي للحكايات التي نقصّها على أنفسنا عن علامات النجوم وظاهرتي الكسوف والخسوف، أو عندما نتسلّق قمّة جبل كي نتأمّل منظر الشمس وهي تشرق أو تغرب برهبة وجلال.
    كلّ تفاصيل حياتنا تتمحور حول الضوء، أساليبنا في العمل والعيش والتنقّل، تعاملنا مع المصابيح ومفاتيح الإنارة في بيوتنا، وحتى تصوّراتنا عن المسافة التي تفصل السماء عن الأرض.
    وأينما كان المكان الذي تعيش فيه، سواءً في المدينة أو القرية، فأنت منجذب دوما، ودون أن تحسّ غالبا، إلى رؤية كيف ينبثق الضوء وكيف يتلاشى.
    قبل أن يرسم سارجنت لوحته هذه بسنوات، أشار وليم تيرنر، الذي يوصف عادة بأنه رسّام الضوء، إلى أن أجمل الأضواء هي تلك التي تظهر في السماء التي تعلو شاطئ البحر. التحوّل الناعم للضوء بين كلّ ساعة من ساعات النهار والليل شيء لافت وتعجز الكلمات عن وصفه أو عن وصف تأثيره في النفس والمشاعر.
    في انجذابنا نحو الضوء، ثمّة حالة من الجمال، من التسامي، من الإحساس بالدفء والتطلّع إلى شيء ما لا يمكن لمسه أو إدراكه. وعلاقتنا الملتبسة بالضوء ستظلّ دائما، وبمعنى ما، غير مكتملة وغير مدركة تماما، سواءً كان مصدره وهج عود ثقاب أو ضوء مصباح أو شهابا عابرا في السماء أو جذوة نار مشتعلة في البرّية.
    "هناك أشياء لا يمكن امتلاكها". كتبت ريبيكا سولنيت ذات مرّة تصف اللون الأزرق للضوء. الضوء ظاهرة واضحة جدّا، وفي نفس الوقت غامضة كثيرا. ولأنه احد متع الحياة العظيمة غير المحسوسة وغير المدركة، فإنه سيظلّ سببا ومصدرا للاحتفال والدهشة التي لا تنتهي.

    Credits
    theguardian.com

    Thursday, June 22, 2017

    طبيعة فريدريش


    أصبح كاسبار ديفيد فريدريش الرسّام المحبوب الأوّل في ألمانيا وبات الألمان ينظرون إليه كأيقونة ثقافية. والسبب هو أننا عندما ننظر إلى لوحاته فإننا نشمّ فيها رائحة البارود.
    ونعرف قبل أن يخبرنا المؤرّخون أن هتلر كان يحبّ رسوماته. الخواء والغموض في ساحات فريدريش التي لا يسكنها سوى أشباح أبطال ألمانيا جعلته المعادل البصريّ لفاغنر: بطل مخالف للعرف وذو ملامح كالحة، في قاعة عمالقة الثقافة.
    لكن هذا لم يؤثّر كثيرا في شعبيّته. فرسّام المناظر الطبيعية هذا، الذي كاد أن يُنسى بعد وفاته عام 1843، أعيد اكتشافه من جديد في السنوات الثلاثين الأخيرة.
    في سبعينات القرن العشرين، عاد الفنّانون والسينمائيون الألمان إلى الحديقة المتفحّمة لإرثهم الثقافيّ كي يتخيّلوا من جديد طبيعةً بعْثَرَتها النازية. وقد ذهبوا باحثين عن ألمانيا، وما وجدوه كان فريدريش .
    الرسّام الألمانيّ المعاصر انسيلم كيفر صوّر نفسه في طبيعة فريدريش، معطيا ظهره لنا مثل الأشخاص في لوحات الأخير، ومؤدّيا التحيّة النازيّة.
    ومنافسه الرسّام غيرهارد ريختر زار هو الآخر طبيعة فريدريش، لكنّه رسمها مغبّشة، كما لو أنه رآها من نافذة سيّارة في يوم مطير.
    وعندما أعاد فيرنر هيرتزوغ إعادة إخراج فيلم نوسفيراتو عام 1979، حوّل قصة الفامباير أو مصّاص الدماء الذي يغزو بلدة في شمال ألمانيا إلى مقالة عن الرومانسية. فشخصيّات الفيلم تسير عبر تلال مغطّاة بالضباب، مثل تلك التي كان يرسمها فريدريش في مناظره.
    وفي النهاية يختفي الفامباير في ساحة فسيحة وخالية، تماما مثل الشخص الملتحف بالسواد في أعظم لوحات فريدريش المسمّاة الراهب أمام البحر (فوق). وهيرتزوغ يرى الطبيعة الألمانية في لوحات فريدريش كمكان ملعون، بينما يعتبر أن مصّاص الدماء هو هتلر وفريدريش معا.
    ومع ذلك تستمرّ جاذبية فريدريش القاتلة. ولوحاته ما تزال تظهر على غلاف أيّ كتاب كلاسيكيّ له علاقة بالرومانسية الألمانية أو القوطية.
    وعندما اشترى الناشيونال غاليري لوحته طبيعة شتائية المرسومة عام 1811، كانت تلك أوّل لوحة لفريدريش يشتريها متحف من خارج ألمانيا.
    لقد فتح فريدريش العالم، ولكن بثمن غالٍ وسوء فهم عميق عمّن كان وإلى ماذا كان فنّه يرمز. وأصبح هو الأيقونة الأهمّ للرومانسية الألمانية، وصارت صورته كمتسلّق للجبال وعاشق للتسامي والخواء صورة لتاريخ ألمانيا نفسها. ويبدو أن الناس يحبّونه مثلما يحبّون دراكيولا، لأنه يدهشهم ويرعبهم.
    لكن فريدريش لم يكن رجلا مصابا بجنون العظمة، بل كان إنسانا واقعيّا شارك في عصره بعقلانية وبعين داهية سياسيّ. رسائله التي أعيدت طباعة بعضها مؤخّرا ربّما تخيّب أمل خبراء الفنّ الذين يميلون للحديث عن الجنون الألمانيّ.
    ففريدريش يبرز في تلك الرسائل كناقد للسلطة وكمتعاطف متمرّد مع الطلاب المسجونين لاحتجاجهم ضدّ الأنظمة الديكتاتورية في الولايات الألمانية الصغيرة والمقسّمة بعد مؤتمر فيينا عام 1815، وأحيانا كداعية متحمّس للتغيير وكليبراليّ من القرن التاسع عشر.
    الأب الحقيقيّ لرسم مناظر الطبيعة الرومانسية كان نابليون. فالجيوش الخفيّة للإمبراطور الذي توّج نفسه ملكاً، جعلت طبيعة أوربّا مرئية عندما شقّت تلك الجيوش طريقها عبر القارّة.


    وقد رأى فريدريش الولايات الألمانية تنهزم بطريقة مذلّة على يد جيوش نابليون، مثلما شهد فرانشيسكو دي غويا ضمّ اسبانيا، ومثلما رأى وليام تيرنر بريطانيا تُحوّل بحرها إلى سور دفاعيّ.
    لكن ما جعل فريدريش يرى خطر الطبيعة كان سقوط نابليون. والذي أطاح بنابليون كان الفراغ والطقس والطبيعة. وزحفه على روسيا انتهى بهزيمته في الأرض اليباب لشتاء الشمال.
    لقد هزّت الحروب النابليونية رَسْم الطبيعة الرومانسية بعنف. في لوحة تيرنر عاصفة ثلجية ، يصوّر الرسّام الانجليزيّ هانيبال وجيشه وهم يعبرون جبال الألب. وتيرنر يجسّد نابليون على هيئة جنرال قرطاجيّ ضئيل الحجم يقف هو وجنده بلا حول ولا قوّة أمام الجبروت الطاغي للجبال والطقس.
    لكن في لوحات فريدريش يعاني نابليون من مصير أسوأ بكثير. ففي عام 1814، أي في السنة التالية لانسحاب بونابرت من موسكو، رسم فريدريش لوحته بعنوان الجنديّ في الغابة .
    وفيها نرى جنديّا فرنسيّا منقطعا عن رفاقه يقف في درب ضيّق مقطوع الشجر داخل غابة يبدو انه لن يهرب منها أبدا. أشجار الشيح البنّية ترتفع كالأشباح فوق الجنديّ وتطبق عليه، وهو يبدو مستسلما، تاركا سيفه يسحب على الأرض ومصدوما من الظلام الرهيب الذي لا يقاوَم ويوشك أن يبتلعه.
    هذه اللوحة أيضا تصوّر نابليون في شخص احد جنوده الهالكين. لكن بدلا من السهل الروسيّ، فإن الغابة الألمانية هي التي تهزمه هنا. ولوحة فريدريش هذه كثيرا ما اعتُبرت بمثابة بيان وطنيّ. فألمانيا، كما يوحي فريدريش، هي غابة متشابكة ومميتة وقادرة على ابتلاع أعدائها.
    لكن من الخطأ أن تنظر إلى لوحات فريدريش على أنها وطنيّة فقط. وهي ليست احتفالات بالغموض الألمانيّ بقدر ما هي اختبار له. ففريدريش يوظّف خواء وفراغ ساحل بحر البلطيق وغابة ولاية تورنجيا كي يوحي بغطرسة الإمبراطورية.
    فريدريش ليس رسول طُموح ألمانيا الجغرافيّ، بل المتأمّل فيه بسخرية. وفكرته هي انه يستحيل الانتصار على الفراغ، وأن البشر متطفلّون صغار في عالم لا يمكن أن يحلموا بأن يحكموه.
    كما أن الرسّام يفضح سلطة الولايات الملوكية الألمانية، مثل بروسيا والبقيّة، التي كان الليبراليون الألمان يشعرون بأنهم معزولون عنها كليّاً.
    في عام 1810، أرسل فريدريش اثنتين من أشهر لوحاته هما الراهب أمام البحر ودير في غابة السنديان ، لكي تُعرضا في برلين عاصمة بروسيا التي كانت قد أنزلت هزيمة ساحقة بنابليون قبل ذلك بأربع سنوات. وقد تسبّبت اللوحتان في إحداث ضجّة، ثم قرّرت العائلة الحاكمة اقتناءهما.
    طبيعة فريدريش هي مكان لا تستطيع أن تجد فيه موطئاً لقدمك. حاول أن تقتحمه وتنتصر عليه، وستسقط صريعا بين الثلوج. لقد هلك نابليون في هذه الطبيعة، وكذلك هتلر.
    فنّ فريدريش لا يمكن وصفه باللاعقلانيّ، بل هو عن اللاعقلانية. في لوحة امرأة في نافذة ، نرى امرأة (زوجة الرسّام) تعطي ظهرها للناظر وتحدّق إلى خارج الغرفة المعزولة باتجاه سارية سفينة في قنال. المنزل هو العالَم الآمن الذي كان فريدريش يتطلّع إليه وحقّقه.
    السفينة ذات الحضور المشئوم تصل إلى البلدة، وكأنها خارجة من الطبيعة الألمانية. إنها تمثّل كلّ شيء كان فريدريش يخاف منه ويرغب به في نفس الوقت. قد تكون هذه سفينة الهولنديّ الطائر الذي تحكي عنه أوبرا فاغنر، أو قد تكون السفينة التي تُحضِر مصّاص الدماء إلى البلدة بصحبة جيشه من الفئران.

    Credits
    caspardavidfriedrich.org
    theguardian.com

    Friday, June 16, 2017

    الفنّ الرؤيوي


    منذ البدايات المبكّرة للفنّ والرسّامون يحاولون أن يرسموا ما لا تراه العين، لكنْ تدركه الروح والصّوت الداخليّ.
    ومحاولة تصوير الروحانيّ والغامض بوصفه جسرا بين العالم الأدنى والأعلى ظلّ هو الهمّ الأساس لما يُسمّى بالفنّ الرؤيوي. وهو فنّ قديم قدم الروحانية وصور الآلهة القديمة والقدّيسين الذين تعلو رؤؤسهم هالات من نور.
    ويمكن إيراد بعض الأمثلة عن هذا النوع من الفنّ مثل رسومات الكهوف التي تصوّر بشرا وحيوانات هجينة، ومثل الفن الشامانيّ القديم والأقنعة الطقوسية التي كانت شائعة في الثقافات البدائية.
    تلك الصور وأخرى غيرها كان المراد منها إنتاج رؤية أوسع عن الوعي تتضمّن الروحانيّ والخفيّ أو الغامض.
    وإحدى أفكار الفنّ الرؤيوي هي أن تلك الصور يمكن أن تكون رسائل أو وسائل هداية أو نبوءات أو كشوفات توهب للمبدعين بقوّة إلهية أو بفضل حالات الوعي المعدّلة.
    إذن من أهمّ غايات الرسم الرؤيوي الكشف عمّا يكمن وراء حدود النظر بإظهار الحالات التي تسمو على الإدراك. وهذا يعني بالنسبة للبعض أن يفقد الإنسان نفسه أثناء عملية الخلق ويرتبط بالقوانين الكونية وبقوّة الإلهام الإلهيّ، كي يتواصل مع تلك الحالات ويجسّدها من خلال الصور.
    ويقال أن بدايات هذا الفنّ تعود إلى عصور ما قبل التاريخ عندما رسم الإنسان الأوّل على جدران الكهوف صورا تمثّل تجسّدات أحلامه ورؤاه وتقف كرموز سحرية تستذكر رحلات الصّيد والإمساك بالحيوانات المتوحّشة.
    وبعد قرون أصبح هذا الفنّ يتمثّل في الرسومات الدينية المتعدّدة التي تصوّر الأشكال المتخيّلة للملائكة والقدّيسين والتي تحاول، ليس فقط ربط عالمنا بالأفكار الروحانية، بل توفّر للناس صورا مختلفة من العبادة.
    وإحدى الأفكار التي ترد كثيرا في الفنّ الرؤيوي هي إعادة خلق الجنّة وغيرها من الرؤى اليوتوبية. وهذا ليس بالمستغرب إذا ما تذكّرنا أن الفنّ كلّه كان إلى ما قبل مائتي عام فقط مرتبطا بالله وبالمقدّس.
    وبالنسبة للفنّ الحديث، يمكن اعتبار الرمزية والتجريدية والسوريالية امتدادات للفنّ الرؤيوي. فاللوحات التجريدية المبكّرة والصور الحالمة للسوريالية كانت تصوّر عالما بلا قواعد ويسمح بتجانبات غريبة. وهذه الصور تعزّز المقدّس والغامض وتمنحه مساحة أكثر رحابة.
    وهناك أسماء عديدة لفنّانين ارتبطوا بالفنّ الرؤيوي، مثل وليام بليك ونيكولاس روريك وريميديوس فارو وفريدون رسولي، بالإضافة إلى غوستاف مورو أبي الرمزية الفرنسية الذي رسم قصصا دينية وأسطورية ما تزال تثير مخيّلة الناس.
    ويمكن أيضا أن ندرج ضمن هذا التصنيف لوحات كاندينسكي وبول كلي وخوان ميرو الذين بحثوا عن الروحانية في الفنّ من خلال الخصائص الرمزية والشعورية للخطوط والألوان والأشكال الهندسية.


    ولا ننسى أيضا كتابات بيت موندريان الفلسفية والعميقة عن الفنّ وصور سلفادور دالي وماكس ارنست التي تمزج عالم الأحلام والذكريات وتجارب الطفولة. ويمكن كذلك الإشارة إلى رسومات بعض فنّاني القرن العشرين من غوغان إلى بولوك إلى اوكيف وغيرهم.
    والذي يجمع بين هؤلاء هو الموهبة والقدرة على تقديم أنواع من الأبعاد الرؤيوية للعقل.
    يقال أحيانا أنّ الفنّ يصبح في أفضل حالاته عندما لا يكون له اسم، أي عندما يستمع الفنّان إلى صوته الخاص، لا إلى أصوات غيره ولا يتّبع التقاليد الفنّية. وفي الواقع من المهمّ أن لا يغمر الفنّان نفسه في النظم والقواعد المكبّلة التي يمكن أن تحرمه من محاولة رؤية الأشياء التي لا تُرى عادة.
    وغالبا فإن من ينتج هذا الفنّ هم أفراد علّموا أنفسهم بأنفسهم، أي لم يتلقّوا تعليما منهجيّا، وأعمالهم في الغالب هي تعبير عن رؤية فردية وذاتيّة. وهؤلاء بارعون عادة في اكتشاف الامكانيات التي لا يراها ولا يلاحظها الآخرون.
    وهناك من يربط الفنّ الرؤيوي بحالات الوعي المتغيّرة وبالتجارب النفسية والهندسة المقدّسة والشامانية والعوالم الخفيّة وبظاهرة تزامن الحواسّ والثيوصوفية والخيمياء والسحر واليوغا وغيرها.
    ومن الملاحَظ أن الفنّ الرؤيوي المعاصر مملوء بالأنوثة التي تعكسها ألوان ناعمة وأعماق أثيرية وخطوط متحوّلة، كما انه يتضمّن غالبا شكل "آلهة" بالمعنى المجازيّ للكلمة.
    والتركيز على البعد الأنثويّ في هذا الفنّ مبعثه فكرة تقول أن عالمنا الحديث يتّسم بالأطراف الحادّة والخطوط المستقيمة والقواعد الصارمة، وكلّها عناصر ذكورية.
    ومع أن في كلّ إنسان طاقة ذكورية وأنثوية معا، إلا أننا أسّسنا مجتمعات ذات ملامح ذكورية خالصة تجسّدها الخرسانة الصلبة والمباني المنتصبة والحروب المشتعلة في كلّ مكان.
    وما حدث هو أننا مكنّا الطاقة الذكورية في دواخلنا وسمحنا لها بتحديد الاتجاه الذي شُيّد عليه الواقع الماديّ والاجتماعيّ كلّه. وفي نفس الوقت قمعنا طاقة الأنثى التي بداخلنا وقلّلنا من أهميّة سمات المرأة في واقعنا وفي حياتنا.
    وهناك من يرى أن العالم كما نعرفه سيتغيّر دراماتيكيا عندما نبدأ في الاستماع إلى الصوت الداخليّ للمرأة، فنتبنّى الناعم والسهل والمرن في مقابل الحادّ والصارم والخشن.
    والفنّ الرؤيوي اليوم هو دليل على التحوّل الذي يقوم به كثيرون باتجاه تعبير أكثر توازنا عن الطاقة الذكورية والأنثوية معا.
    ومن خلال محاولتنا فهم المعاني المخبوءة في بعض نتاجات هذا الفنّ، فإننا نمنح أنفسنا الفرصة لاستيعاب السمات الأنثوية التي تقع في قلب العملية الفنّية، ومن ثم إعادة صياغة الكيفية التي نرى بها أنفسنا ومجتمعاتنا والعالم من حولنا.

    Credits
    arthistoryarchive.com

    Saturday, June 10, 2017

    إن لم ... فمَنْ..؟


    في البداية، تحتار كيف تصنّف هذا الكتاب. لكن يمكن القول إجمالا أنه مزيج من السيرة الذاتية والتجارب الشخصية والعملية والأحداث والشخصيات والمواقف التي مرّ بها المؤلّف في حياته وأسهمت في تشكيل رؤيته ونظرته للحياة.
    والكتاب مصاغ بلغة مختزلة ومركّزة، لكنها سهلة، سلسة، أنيقة وفيها شاعرية. كما انه يتضمّن الكثير من الإشارات المضيئة والوقفات الموحية التي لا تخلو من روح الفلسفة والفكر المتأمّل والعميق.
    وقد اختار سموّ الأمير خالد الفيصل أن يستهلّ كتابه بهذه العبارات الجميلة والعميقة الدلالة:
    لماذا اكتبني لتقرأني؟ لماذا أشرحني لتفهمني؟".
    ويجيب: لأنني منك وأنت منّي، وكلانا بأغنية الوطن يغنّي".
    ثم يشير إلى أن فكرة الكتاب ظهرت عندما ألحّ عليه الكثيرون بالكتابة، فاعتذر مرارا، وفي النهاية استجاب لرغبتهم وقرّر أن يكتب.
    ويؤكّد الفيصل على انه ليس عالما ولا مؤرّخا ولا منظّرا، كما انه لم يخطّط لمستقبله. "أنا نبتة هذه الأرض ومواطن هذا الوطن، آمنتُ بالقدر وعايشتُ الحياة واستمتعتُ بالتحدّي".
    والكتاب مقسّم إلى عدّة أبواب، وكلّ باب يتناول موضوعا أو جملة من المواضيع والأحداث التي كان الأمير مشاركا فيها أو شاهدا عليها. وفي سياق كلّ موقف أو حدث، يُورد قصيدة أو جزءا من إحدى قصائده تتناغم مع سياق القصّة أو الحدث. "ناغمت الحروف حتى تغنّي بالمعاني، ورسمت الحياة نورا وظلا وألوانا".
    ثم يسرد المؤلّف بدايات رحلته منذ ولادته في حارة الباب في مكّة المكرّمة، إلى أن انتقل وهو طفل بمعيّة والدته إلى الأحساء، ومن هناك إلى الظهران فالرياض ثم جدّة فالطائف.
    ولا بدّ وأن يستوقف القارئ وصف الأمير للقائه الأوّل بجلالة الملك المؤسّس عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود أثناء زيارته للأحساء. وهو يصفه لحظة نزوله من الطائرة فيقول: عبدالعزيز، هذا الرجل الذي لم أرَ مثله، رجل شامخ القامة، رفيع الهامة، في وجهه صرامة، وفي شفتيه ابتسامة، وفي نظرته شجاعة وشهامة".
    ثم يحكي الفيصل عن قصّة ذهابه إلى الولايات المتّحدة للدراسة في جامعة برنستون والصداقة التي ربطته هناك بالمؤرّخ المشهور فيليب حتّي. ثم يتحوّل للحديث عن قصّة التحاقه بجامعة أكسفورد في لندن. ويتذكّر أوّل درس تلقّاه في تلك الجامعة العريقة أثناء جلسة جمعته مع أستاذ الفلسفة فيها.
    وفي احد أبواب الكتاب، يتطرّق الأمير خالد الفيصل إلى دور الصدف في حياة الإنسان وكيف أنها تسهم إسهاما كبيرا في تحديد اتّجاهه في الحياة. ثم يُتبع حديثه بهذه الأبيات الجميلة والمعبّرة:
    "الله يسامح زماني كيف سوّى بي
    لا هو تركني على حالي ولا طابِ
    غيّر حياتي ولا كانت على الخاطر
    أبي سهلها وهو عرّض بي هضابِ".
    ثم يتحدّث المؤلّف عن عودته إلى المملكة وتكليفه بالمسئولية عن رعاية الشباب وعن لقاء له مع الشيخ المرحوم علي الطنطاوي. وبعدها يتناول تجربته كأمير لمنطقة عسير التي كانت واحدة من أهم تجاربه العملية. "ذهبت إلى عسير لأبقى ثلاث سنوات، وبقيت 37 عاما كانت حافلة بكلّ شيء، من أوّل يوم حتى اليوم الأخير".
    ويشير الأمير خالد الفيصل إلى انه ذُهل من جمال المنطقة حال وصوله إليها، إذ لم يكن يصدّق بأن في المملكة العربية السعودية مثل هذه المناظر. وهو يصف بعض ما رآه هناك بأسلوب الشاعر والفنّان. "جبال تكسوها الأشجار ويغطّيها السحاب ويلاحقنا فيها الضباب. هواؤها عليل، ومنظرها جميل، وقطرات الندى على الزهور تسيل".
    ثم يتوقّف للحديث عن المشاريع التنموية الكبيرة والعديدة التي أنجزت في تلك المنطقة وعن بعض المعوّقات التي اعترضتها، من قبيل بعض الأفكار الضالّة والمغالية التي ظهرت على حين غفلة في بلد يتّخذ من القرآن والسنّة دستورا له.
    وفي باب آخر من الكتاب، يتحدّث الفيصل عن تعيينه أميرا لمنطقة مكّة المكرّمة، وعن مشروع ثقافة الأمل والتفاؤل الذي تبنّاه في مواجهة ثقافة تحاول إشاعة اليأس والإحباط في المجتمع. كما يتطرّق إلى بعض جوانب المشروع الفكريّ الثقافيّ الذي تمّ تأطيره بشعارات وطنية تركّز على احترام النظام والتركيز على منهج الوسطية والاعتدال.
    ثم يتحدّث عن مشروع إحياء سوق عكاظ الذي أصبح اليوم معلما حضاريّا وثقافيّا وتراثيّا وسياحيّا. ويشير إلى أن المشروع كان في الأساس فكرة الملك فيصل، ثم دخل حيّز التنفيذ في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله.
    وبعد ذلك يتحدّث الأمير عن فترة تولّيه وزارة التربية والتعليم، ويتوقّف عند تغييره مفهوم الوزارة من التركيز على التعليم إلى التركيز على التعلّم ومساعدة الطلاب على اكتشاف مواهبهم وصقلها.
    احد أكثر أجزاء هذا الكتاب إمتاعا وعمقا هو ذلك الذي يتحدّث فيه الأمير خالد الفيصل عن ثقافة السؤال وهل يتشكّل الإنسان فكرا. "سألت نفسي أين كان السؤال في طفولتي، بل في طفولة جيلي، حذّرونا من السؤال فانتهينا، ونهرونا فامتنعنا، والتزمنا فسكتنا وجهلنا. وبعد عمر اكتشفت أن للسؤال ثقافة، ووجدت أنني خسرت بعدم السؤال أكثر بكثير مما خسر غيري بالجرأة على طرح السؤال".
    ثم يثير الأمير أسئلة فلسفية عن التجارب التي تشكّل أفكار الإنسان، وهل المجتمع هو من يصوغ نظرة الإنسان إلى الحياة، أم الأصدقاء، أم مجالس الناس، أم العادات والتقاليد، أم الفطرة؟ وهل تولد شخصية الإنسان معه أم تتشكّل مع مرور الأيّام وتوالي الأحداث والمواقف والتجارب؟.
    في الأجزاء المتبقيّة من الكتاب، يتناول المؤلّف مواضيع مختلفة مثل تجربة إصدار صحيفة الوطن في أبها وإنشاء مؤسّسة الملك فيصل الخيرية ومؤسّسة الفكر العربيّ. كما يُفرد صفحات للحديث عن شخصيّة المغفور له الملك فيصل. "لم اسمع منه يرحمه الله كلمة قاسية وجّهها لأحد أبنائه أو تأنيبا ظاهرا أو أمام الناس، بل ولم اسمعه يوما يتلفّظ بكلمة نابية على احد، لا في بيته ولا في مكتبه".
    كتاب (إن لم ... فمن..؟!!) هو عبارة عن إلماحات سريعة ومكثّفة عن محطّات بارزة في حياة الأمير خالد الفيصل الفكرية والعملية الحافلة بالكثير من الانجازات والتجارب الإنسانية الثريّة والمهمّة.
    وعنوان الكتاب قد يبدو غريبا بعض الشيء، لكنه مقصود لأنه يستثير القارئ على التفكير في كلمات يملأ بها النقاط الفارغة في العنوان. وخالد الفيصل، بحكم كونه شاعرا وفنّانا ومثقّفا أيضا، ربّما أراد أن يقول إن لم نعمل فمَن إذن؟! وبعبارة أوضح، إن لم نخدم وطننا ونعمل على رفعته وازدهاره، كلّ في موقعه، فمَن يفعل؟!
    أيضا العنوان على الغلاف الخارجيّ للكتاب "كتاب ليس فيه أنا" عنوان معبّر ويصحّ أن يكون تكملة للعنوان الرئيسيّ. كأنّما أراد الفيصل من خلاله أن يؤكّد على قيمة العمل الجماعيّ، لأن الإنسان لوحده، ومهما فعل أو أنجز، إلا انه في النهاية مجرّد فرد في جماعة وجزء من كلّ. وكلّ مشروع عظيم هو في النهاية محصّلة لجهد مجموعة من الأفراد. واختيار هذه العبارة كعنوان فرعيّ للكتاب ينمّ عن وعي عال وحكمة وتواضع وبُعد نظر، لأنه يدعو ضمناً إلى نكران الذات ونبذ التفكير الأنانيّ وإعلاء قيمة الجهد المؤسّسيّ وذهنية الفريق.

    Tuesday, June 06, 2017

    الصيد في غابة ليليّة

    كلّ تفصيل في هذه اللوحة غير العاديّة يضجّ بالحركة والنشاط. فالكلاب تجري وتتقافز في كلّ اتجاه، والجياد تعدو متحفّزة ما بين إقبال وإدبار، والبشر يتدافعون ويتصايحون في صخب وفوضى. وكلّ هذا يحدث في غابة مظلمة.
    الصيّادون الذين يعتلون ظهور خيولهم ويرتدون ملابس حمراء وسوداء يبدون في حالة تردّد أو تراجع، بينما يرقبون حركة الكلاب وهي تنطلق في الظلام خلف فرائسها من الغزلان إلى ابعد مسافة في أعماق غابة الليل هذه.
    ومصدر الضوء في المشهد غير واضح، لكن يُفترض انه نور القمر الذي لا نراه أو الشموع. والسماء التي يظهر جزء منها فوق قمم أشجار السنديان تصطبغ بزرقة داكنة. والثراء العامّ للمنظر تعزّزه الألوان الساطعة والأنيقة، خاصّة ألوان معاطف الصيّادين الحمراء والبرتقالية.
    هذه هي ايطاليا عصر النهضة. وهذه المجموعة من أثرياء فلورنسا يقوم على خدمتهم في هذه الغابة أشخاص مسلّحون برماح حادّة، ومهمّتهم على ما يبدو هي جمع وعزل حيوانات الغابة كي يسهل اصطيادها.
    هذه اللوحة تمثّل نوعية نادرة وغير مألوفة في الرسم. ومن الواضح أن ما نراه هو مشهد متخيّل. وعدم واقعية الصورة يسهم أكثر في غموضها وسحرها، بالإضافة إلى ما يمكن أن يكون الرسّام قد أودعه فيها من معان وإشارات خفيّة.
    كان باولو اوتشيللو احد أوائل رسّامي القرن الخامس عشر الذين استخدموا المنظور في لوحاتهم. ولتقريب فكرة ما الذي يعنيه المنظور في هذه اللوحة يكفي أن تنظر إلى وسطها، أي إلى المساحة التي يتحرّك فيها الأشخاص الراجلون والكلاب والغزلان، لتلاحظ أن الأشياء والأشخاص والأشجار تتضاءل شيئا فشيئا كلّما ابتعدَتْ باتجاه أعماق الغابة المظلمة.
    الساحة المثلّثة في وسط المنظر تتراجع باتجاه نقطة متلاشية في عمق الظلام، ما يضفي على المشهد شيئا من الرهبة والغموض.
    كان اوتشيللو مفتونا كثيرا بهذا الأسلوب الجديد في تصميم الصور. وفي هذه اللوحة، هو لا يُظهِر فقط التأثيرات البصرية، وإنما أيضا التأثيرات الشاعرية والانفعالية للمنظور الذي يمنح ليل الغابة هذا الجمال والروعة.
    كان الصيد وما يزال هواية ارستقراطية لها طقوسها الخاصّة. وفكرة الصيد ليلا ليست بالفكرة الواقعية أو العملية، لكنها في اللوحة لا تخلو من روح دعابة ومن رمزية ما.
    كان اوتشيللو رسّام طبيعة، وهو من أوائل الرسّامين الذين ابتكروا المنظور الرياضيّ. ومن الواضح انه صمّم اللوحة بعناية ووضع خطوطها الأفقية والعمودية من خلال رسومات أوليّة.
    وقد استخدم طبقة مكثّفة من الطلاء الأسود ليغطّي به المناطق التي سيعود إليها لاحقا ليضيف إليها درجات متفاوتة من الألوان الخضراء.
    أما جذوع الأشجار والأشخاص والحيوانات فقد تركها كظلال بيضاء مقابل الخلفية الداكنة، ما أنتج هذا الضوء الأخّاذ المنعكس على كلّ شيء وكأنه من عالم آخر.
    وهناك أيضا آثار من اللون الذهبيّ التي وضعها الرسّام على النباتات والأشجار لجعلها تتوهّج بالضوء.
    في الحقيقة، لا أحد يعرف لماذا رسم اوتشيللو هذه اللوحة وما إذا كانت بالفعل تعكس تجربة حقيقية أو أنها ترجمة لقصيدة أو حتى لقصّة ما.
    لكن قيل أنها رُسمت كي تزيّن مكانا ما في اوربينو أو فلورنسا، قد يكون قاعة عامّة أو قصرا تابعا لأحد رعاة الرسّام.
    وقيل أنها تمثّل احتفالا فروسيّا، أو صورة رمزية لعاشق يقتفي اثر حبّ لا يمكن بلوغه. وقد تكون اللوحة رُسمت كهديّة لعروسين ثريّين.
    لكن أيّاً ما كان سبب رسمها، فإن هذه اللوحة تظلّ أصليّة ومتفرّدة جدّا، سواءً من حيث كونها تصويرا لطبيعة ليلية أو بوصفها توليفاً شُيّد بطريقة رائعة.

    Credits
    paolouccello.org
    ashmolean.org

    Thursday, June 01, 2017

    في مديح الضَّياع


    الحبّ والحكمة والإلهام أشياء يَجهد كلّ إنسان في العثور عليها في هذه الحياة. وهي لا تتأتّى في الغالب إلا عندما توسّع حدود ذاتك وترتاد مناطق مجهولة، وعندها فقط يمكن أن تتحوّل إلى شخص آخر.
    في كتابها "دليل ميدانيّ للضياع"، تذكر الكاتبة الأمريكية ريبيكا سولنيت أنها قضت حياتها كلّها ضائعة. "أن لا تضيع يعني أن لا تعيش".
    والمؤلّفة تعطيك خارطة ثم تطلب منك أن تتجاهلها كي تتعلّم كيف تعيش في حالات انعدام اليقين. "أن تكون ضائعا أو تشعر بالضياع أمر يدفعك لأن تخطّط مسبقا، لأن تتوقّع، وأن تسيطر على أحداث الحياة بأيّ ثمن. لكن الضياع أحيانا يمكن أن يكون الطريقة الوحيدة لتحقيق الذات والانجاز".
    وسولنيت تأخذ القارئ عبر طبقات متعدّدة من المعاني والاستعارات والأفكار والقصص المشوّقة التي تتلاقى وتتقاطع كالأعشاب على ضفّتي نهر.
    وكتابها يتناول أسئلة الهويّة والوعي، انطلاقا من الشعار القائل: كي تجد طريقك ينبغي أن تضيع أوّلا وتستسلم للصُّدف".
    والكاتبة في سردها تنسج قماشا متعدّد الألوان والأنماط، تستكشف من خلاله ذكريات سنواتها المبكّرة وتعلّق على الكتب واللوحات والأفلام والشخصيات التي شكّلت نظرتها إلى العالم.
    آراء المؤلّفة في هذا الكتاب هي عن الحرّية وعن أن تتصرّف بشجاعة كشخص حرّ في عالم يحاول تكبيلك كي تكون جزءا من عملية اسر جماعيّ. "القفز في الفراغ لا يعني بالضرورة السقوط الحرّ، بل قد يكون الخطوة المطلوبة كي تلامس السماء".
    وهي تشير إلى أن حرص الإنسان على أن يسيطر على كلّ شيء يمكن أن يكون عبئا ثقيلا عليه. وتضيف أن هناك أشياء معيّنة لا يمكن تقريرها أو البتّ فيها، لذا من الأفضل أن تفكّر مثل قارب في البحر وأن تذهب مع التيّار في بعض أمور حياتك. "أن لا تكون مسيطرا على الأشياء أمر يبدو مخيفا أحيانا. لكن ما هو أكثر إنسانية وجدوى هو أن تترك نفسك لكي تكتشف أشياء جديدة عن ذاتك وعن العالم".
    لهذا الكتاب من عنوانه نصيب. فأنت تضيع في تأمّلات وأفكار الكاتبة عن كلّ شيء، عن الأصدقاء والأحلام والصحراء والذاكرة والحبّ والتاريخ والفنّ والموت وعن تجاربها الشخصية مع الأمكنة.
    في البداية تتحدّث المؤلّفة عن معنى مفردة "الضياع"، فتقول إنها مشتقّة من لغات شمال أوربّا القديمة، وهي تعني تجريد جيش من سلاحه، لكن من بين اشتقاقاتها الأخرى فكرة أن تعقد هدنة مع العالم الواسع.
    والكاتبة شغوفة كثيرا بعالم الطبيعة ومفتونة بالمسافات الشاسعة لصحارى الغرب الأمريكيّ أو ما تسمّيه وفرة الغياب. "في مكان ما من الأرض المجهولة تكمن حياة الاستكشاف والمعرفة".
    ولهذا السبب تركت الحياة الاجتماعية في المدينة وسافرت إلى الأماكن البرّية وعاشت مع الدببة والأفاعي وفي الجبال والغابات، حيث حركة واحدة خاطئة قد تعني كارثة أو موتا محقّقا. وأثناء ذلك تستذكر أضواء الصيف في مشاويرها في الجبال ورائحة أشجار الصنوبر بعد المطر.
    لغة الكاتبة شاعرية وأفكارها تتدفّق بسهولة مذهلة وخبراتها الغريبة مضيئة وجميلة. وقد اعتادت على أن تترك بابها مفتوحا أمام المجهول. والظلام هو طريقها في العيش على حافّة الأشياء وحالات الوعي. "بعض الأحلام مصنوعة من الضباب، وبعضها الآخر من الدانتيل أو الرصاص".


    يمكن أن توصف ريبيكا سولنيت بأنها بدويّة مثقّفة بسبب عشقها للسفر والترحال. "البدو، خلافا للمخيّلة الشعبية السائدة، يحتفظون بدوائر ثابتة وعلاقات مستقرّة بالأمكنة، وهم بعيدون كلّ البعد عن كونهم مترحّلين أو متجوّلين كما تشير إلى ذلك دلالة الكلمة اليوم".
    والمؤلّفة تشير إلى أن إحدى مميّزات أن يجد الإنسان نفسه ضائعا تتمثّل في ما يمكن أن يجده بشكل غير متوقّع. لكن للضياع مخاطره أيضا من قبيل القصّة التي ترويها عن مجموعة من الرحّالة الأمريكيين من القرن التاسع عشر.
    كان هؤلاء قد سافروا بحثا عن الذهب واختاروا أن يتبعوا احدهم، رغم أن خرائطه لم تكن دقيقة تماما. وأثناء ترحالهم انقطعت بهم السبل في صحراء كالمتاهة أسموها في ما بعد بوادي الموت. وبعد أن قطعوا مئات الأميال اكتشفوا أن حكاية الذهب لم تكون سوى ضرب من السراب.
    احد هؤلاء عرض نصف ثروته على أيّ شخص يتبرّع بحملها. لكن لا احد وافق. وفي النهاية دفنها في احد الأمكنة. وعندما عاد ليبحث عنها بعد سنوات لم يجد لها أثرا.
    ثم تتحدّث سولنيت عن الرحلة الوجودية للمستكشف والمغامر الاسبانيّ دي فاكا الذي ضاع في دلتا الميسيسيبي إلى أن عثر عليه بعض السكّان الأصليين فأسروه واستعبدوه. وأثناء ذلك تَعلّم عددا من اللغات ثم هرب ومشى باتجاه الغرب.
    وبعد عشر سنوات وجد نفسه في نيومكسيكو وانضمّ إلى من كان يعتبرهم ذات مرّة من مواطنيه. واستغرق الأمر منه أيّاما كي يستعيد عاداته القديمة. وكان دي فاكا أوّل شخص يعود من رحلة الضياع تلك ويتكلّم عن قصص الأوربّيين الأوائل الذين ضاعوا في الأمريكتين. "أن تضيع معناه أن تقبل التغيير، الأشياء التي نريدها تتغيّر، ونحن لا نعلم عن طبيعة التغيير الذي ينتظرنا على الطرف الآخر".
    ومن الأفكار الجميلة التي تتناولها المؤلّفة ما تذكره عن الفراشات وتحوّلاتها. فالأشخاص الذين يجدون أنفسهم فجأة داخل ثقافة غريبة، يمرّون بما يمكن تسميته بكرب الفراشة التي ينبغي أن يتحلّل جسدها ثم يُرمّم أكثر من مرّة أثناء دورة حياتها.
    والكاتبة تعتبر أن الفراشة رمز مناسب جدّا لروح الإنسان، حتى أن اسمها بالإغريقية هو "سايكي" الذي يعني الروح. وبرأيها أن ليس هناك ما هو ابلغ من هذه الدلالة كي نقدّر هذه المرحلة من التلاشي والذبول، من الانسحاب والضياع، من هذه النهاية التي تسبق البداية، ومن هذا التحوّل والانسلاخ العنيف الذي هو في واقع الأمر نعمة تشبه تفتّح الأزهار.
    تأمّلات سولنيت عن اللون الأزرق هي أيضا ممّا يلفت الانتباه في هذا الكتاب. في البداية تتحدّث عن هذا اللون في لوحات عصر النهضة وفي بعض الصور من القرن التاسع عشر وفي صور المصوّر الفرنسيّ ايف كلين التي يغلب عليها اللون الأزرق.
    تقول: العالم ازرق عند حوّافه وفي أعماقه. هذا الأزرق هو اللون الذي ضاع. والضوء في النهاية الزرقاء لألوان الطيف لا يقطع كامل المسافة من الشمس إلينا، وإنما يتبعثر ويضيع بين جزيئات الهواء وفي الماء.
    والماء في الأساس لا لون له. والمياه الضحلة تبدو بلون أيّ شيء تحتها. لكن المياه العميقة مليئة بهذا الضوء الضائع. وكلّما كان الماء أنقى، كلّما كان الأزرق أعمق.
    وتضيف: السماء زرقاء لهذا السبب. لكن الأزرق في الأفق يبدو حالما وحزينا، الأزرق البعيد الذي نراه في زوايا الأمكنة التي نلمحها على بعد أميال، هذا الضوء الذي لا يلامسنا ولا يسافر كامل المسافة بيننا وبين الشمس، هذا الضوء الضائع هو الذي يمنح هذا العالم جماله، والكثير منه لونه ازرق.
    الأزرق هو لون المسافات البعيدة، لون المشاعر والعزلة والرغبة والشوق والتطلّع، لون كلّ شيء بعيد يُرى من مسافة قريبة، لون المكان الذي لستَ فيه ولون المكان الذي لا تستطيع بلوغه أبدا".
    كتاب "دليل ميدانيّ للضياع" يمكن اعتبار مضمونه امتدادا لتقاليد كتّاب الطبيعة الأمريكيين الكبار مثل رالف ايمرسون وهنري ثورو ووالت ويتمان وغيرهم. وهو يتضمّن الكثير من الرسائل الايجابية والمثيرة للتأمّل. كما انه يقدّم نصائح قيّمة للكتّاب ولمحبّي الفنون عامّة.

    Credits
    rebeccasolnit.net
    villagevoice.com

    Saturday, May 27, 2017

    خواطر رمضانية


    كلّ عام وأنتم بخير. ورمضان كريم.
    بعض الحكايات القديمة جميلة ومعبّرة وتتضمّن دروسا وعِبَرا يمكن أن تفيدنا في واقع الحياة. وهذه المرّة اخترت حكايتين، لكن العبرة فيهما واحدة تقريبا.
  • الحكاية الأولى من الصين، وهي عن مزارع يُدعى تشي وونغ عاش في زمن حكم سلالة الهان قبل أكثر من ألفي عام. والقصّة تتردّد كثيرا في الأدب الطاويّ وفي كتب الزِن.
    تقول القصّة أن الفلاح كان يعتاش هو وعائلته على المحاصيل البسيطة التي ينتجها حقله. وذات يوم اكتشف أن حصانه الوحيد هرب. وعندما سمع أهل قريته بالخبر جاءوا إليه معبرّين عن أسفهم لما حدث وقالوا له: هذا شيء سّيء. فردّ عليهم: ربّما.
    وفي الصباح التالي، عاد الحصان ومعه ثلاثة أحصنة أخرى. فأتاه جيرانه مهنّئين وقالوا له: أليس هذا بالشيء الرائع؟ فردّ عليهم: ربّما.
    وفي اليوم التالي، حاول ابنه ترويض احد الخيول الثلاثة فسقط عن ظهر الحصان وكُسرت ساقه. فجاءه جيرانه مواسين وقالوا: هذا أمر مؤسف. فقال لهم: ربّما.
    وفي اليوم الذي بعده، أتى بعض الجنود إلى القرية كي يجنّدوا بعض شبابها في الجيش. وعندما رأوا ساق ابن المزارع مكسورة قرّروا إعفاءه من الخدمة الإلزامية. وتوافد أهل القرية على بيت المزارع كي يهنّئوه على الخبر السعيد وقالوا: يا له من حظّ عظيم. فردّ عليهم: ربّما.
    من السهل أن نفهم لماذا مثل هذه القصّة القديمة عن مزارع صينيّ بسيط ما يزال لها صدى، خاصّة في مثل عصرنا الذي تكثر فيه الأخبار المزعجة والحوادث السيّئة.
    والدرس الذي تقدّمه الحكاية هو أننا جميعا قد نواجه أوقاتا صعبة من حين لآخر. والمزارع الحكيم كان من خلال ردوده المختصرة والبليغة يمارس عدم الحكم على الأشياء، لأنه يفهم الطبيعة الحقيقية والمتغيّرة للحياة.
    فحادثة واحدة يمكن أن ينتج عنها تأثيرات كثيرة، لذا لا جدوى من وصفها بالجيّدة أو السيّئة أو بأنها خير أو شرّ. والسبب هو أن الخير والشرّ مترابطان وهما وجهان لعملة واحدة. فإذا بدا لك أن حادثا ما جيّد فقد لا يكون كذلك بالضرورة. وإذا ظننت أن حياتك صعبة ومتكّدرة فقد لا تكون كذلك في واقع الحال.
    المعاناة في الحياة أمر حتميّ، لكن لا يتعيّن علينا أن نعاني فوق المعاناة بأن نخلع على الأشياء والحالات أوصافا محدّدة ونهائية. ومن الأفضل أن نَفصِل أفكارنا عن كلّ حالة كي نرى الأشياء بحجمها الطبيعيّ.
    أيضا من الأجدى أن لا نفكّر في الأشياء من منظور الربح أو الخسارة، أو السلب أو الإيجاب، لأننا لا نعرف، ولأن الزمن وحده هو الذي سيقول.
    الحياة معقدّة جدّا. ونحن لا نعرف نهاية القصص التي نعيشها، لأننا لا يمكن أن نتكهّن بالتحوّلات والمنعطفات التي ستسلكها. لذلك تذكّر دائما أن أفضل إجابة هي: ربّما.
  • أما الحكاية الثانية فعن ملك عظيم كان يعيش في ارض بعيدة. ولم يكن ذلك الملك سعيدا بالرغم مما كان يتمتّع به من كثرة المال والجاه. كان اقلّ شيء يتسبّب في إثارة غضبه. وكثيرا ما كانت أوقات سعادته العابرة تتحوّل بسرعة إلى شعور باليأس وخيبة الأمل.
    وعندما لم يعد الملك قادرا على التحمّل أكثر، بدأ يبحث عن حلّ لمشكلته، فأرسل في طلب رجل كان مشهورا بالحكمة والأناة وسداد الرأي. ولما وصل الحكيم قال له الملك: أريد أن أكون مثلك، وأرغب بأن تدلّني على ما يعيد التوازن والهدوء إلى حياتي. وأنا مستعدّ لدفع أيّ ثمن تطلبه مقابل ذلك.
    فقال له الحكيم: ربّما استطيع مساعدتك، لكن الثمن الذي اطلبه كبير جدّا، اكبر حتى من مملكتك". وغادر الحكيم القصر بعد أن وعده الملك بأن يلبّي أيّ طلب يطلبه.
    وبعد أسابيع عاد حاملا معه للملك علبة صغيرة موشّاة بالذهب والجواهر. وعندما فتح الملك العلبة وجد بداخلها خاتما ذهبيّا صغيرا. ولما تفحّصه وجد منقوشا عليه عبارة تقول: هذا أيضا سيَمُرّ".
    دُهش الملك ممّا رأى وظنّ أن الحكيم يسخر منه، وسأله: ما معنى هذا؟ فأجاب: أريدك أن تلبس هذا الخاتم دائما، وكلّما حدث لك شيء، وقبل أن تحكم عليه بأنه خير أو شرّ، أدر الخاتم واقرأ النقش الذي عليه. وبهذه الطريقة ستعيش دائما في سلام وراحة بال".
    العبرة من هذه القصة الرائعة يمكن تلخيصها في كلمات بسيطة وموجزة. فالغضب والإحساس بالتعاسة واليأس ليس مقتصرا على الناس العاديّين، بل حتى الملوك وعلية الناس يمكن أن يمرّوا في حياتهم بمثل هذه المشاعر السلبية.
    لكن ما من عسر إلا وأعقبه يسر. ولا تضيق الحياة بإنسان إلا كتب الله له مخرجا في النهاية. صحيح أننا في معظم الأحيان قد لا نستطيع التحكّم في ما يحدث لنا أو من حولنا، لكنّنا نستطيع التحكّم في ردود أفعالنا على ما يحدث.
    وفي كلّ الأحوال، عش حياتك باعتدال وحاول أن تحتفظ بمزاج هادئ دائما. لا تحكم على شيء ولا تتوقّع أيّ شيء، لأنك قد لا ترى الصورة الأكبر.
  • Monday, May 22, 2017

    الأصدقاء الثلاثة


    هذه قصّة ثلاثة أصدقاء كان كلّ منهم يؤثر الآخر على شخصه ويرى فيه أكثر مما يرى في نفسه. وعندما أصبحوا أشخاصا مهمّين، تدخّلت الصراعات السياسية وتضارب المصالح لتفسد ما كان بينهم من مودّة وإيثار.
    وعلى مدى ألف عام، سافرت قصّتهم آلاف الأميال وتناقلها الناس جيلا بعد جيل. وفي النهاية أصبحت جزءا من كتب التاريخ.
    كان كلّ من نظام الملك وعمر الخيّام والحسن الصبّاح زملاء دراسة منذ الصغر. وكان كلّ واحد منهم يقدّر الآخر ويثمّن طموحه، وقد تعاهدوا وتواثقوا على انه متى أصاب أيّ منهم مغنما أو سلطة وجب عليه أن يتشاركها مع رفيقيه وألا يختصّ نفسه بشيء دونهما.
    نظام الملك، المولود في طوس عام 1018، كان عالما ومثقّفا. ورغم فقره المبكّر، إلا انه حقّق نجاحا معتبرا بفضل عزيمته وقوّة شخصيّته. وقد أهّلته عبقريّته وخبرته في الإدارة لأن يصبح وزيرا ومستشارا للسلطان السلجوقيّ ألب ارسلان، ثمّ وزيرا أوّل لخلفه السلطان ملكشاه.
    وعندما تولّى نظام الملك منصبه لم ينسَ وعده الذي قطعه لصديقيه الخيّام والصبّاح. كان الخيّام قد انتقل قبل ذلك الوقت، أي حوالي عام 1070، إلى سمرقند إحدى أقدم مدن آسيا الوسطى. وفيها كتب احد أهمّ كتبه الذي تناول فيه مسائل رياضية.
    وأثناء إقامته في سمرقند، بعث إليه صديقه نظام الملك يدعوه للعودة إلى أصفهان كي يقلّده منصبا. وقد لبّى الخيّام الدعوة، لكنه أبدى عدم رغبته في أيّ منصب سياسيّ. فعرض عليه نظام الملك أن يقيم مرصدا مع غيره من الفلكيين البارزين آنذاك، فوافق.
    ووفاءً من نظام الملك بوعده القديم، طلب من صديقه الآخر الحسن الصبّاح أن يتولّى منصب رئيس امن البلاط. لكن يبدو أن الصبّاح كان يضع عينه على منصب اكبر في الإمبراطورية. وكما هو متوقّع، نشأ خلاف بين الاثنين.
    وقد انزعج نظام الملك من طموحات الصبّاح وأحسّ بالقلق أكثر عندما اتّهمه الأخير علنا بأنه مستبدّ ولا مبالٍ بسبب تفضيله السنّة على الشيعة.
    وبدأ نظام الملك ينشر الشائعات عن الصبّاح في بلاط السلطان، ما دفع ملكشاه لأن يأمر باعتقاله، ثم ما لبث أن اصدر عليه حكما بالإعدام.
    لكن بتدخّل من الخيّام، سمح السلطان للصبّاح بأن يذهب منفيّا إلى مدينة الريّ التي كان قد قضى فيها سنوات طفولته.
    ولأن دائرة الصراع بدأت تتّسع شيئا فشيئا بينه وبين الدولة السلجوقية، شعر الصبّاح انه بحاجة إلى مقرّ حصين يحميه وأتباعه من هجمات خصومهم الكثيرين.
    وفي عام 1090، اتّخذ له مقرّا في قلعة آلاموت، التي يعني اسمها بالفارسية عشّ النسر، وتقع على الطرف الجنوبيّ لجبال البورز في منتصف المسافة بين طهران وبحر قزوين. وقد بنى الصبّاح للقلعة دفاعات إضافية وشيّد بداخلها قنوات للريّ وأسّس مكتبة ضخمة ومركزا لتعليم الرياضيات والفلسفة والفلك.
    في تلك الأثناء، ولسبب ما، أقيل نظام الملك من منصبه كوزير أعظم، ثم ما لبث أن قُتل غيلةً عام 1092م. وقيل إن الاغتيال ربّما كان سببه التنافس بين فرقتي الأحناف والشوافع. وقد يكون وراءه الحسن الصبّاح الذي أصبح خصما شخصيّا لصديقه القديم وفي حالة عداء مع الدولة.
    وقيل أيضا أن نظام الملك قُتل على يد متصوّف أو درويش كان يحمل له هديّة خبّأ بداخلها خنجرا مسموما. وأشيع كذلك انه قُتل بإيعاز من ملكشاه نفسه أو زوجته ضمن لعبة صراع داخليّ على السلطة. وكانت آخر كلماته قبل أن يموت: أرجوكم لا تقتلوا قاتلي لأنني عفوت عنه".


    كان نظام الملك واحدا من ألمع الوزراء الذين عرفتهم بلاد الشرق. وقد شجّع دراسة العلوم والفنون الإسلامية وصرف أموالا كثيرة على طلب العلم والمعرفة ووضع نظاما للجيش وبنى العديد من المكتبات.
    في قلعة آلاموت، كان الانضباط والولاء والطاعة المطلقة اشدّ أسلحة الحسن الصبّاح قوّة ومضاءً. وقد أصبح هو وجماعته يُدعون بالأساسيّين، أي المتمسّكين بالأسس أو الأصول. لكن الكلمة تُرجمت خطئا إلى اللغات اللاتينية لتصبح الحشّاشين أو القتلة.
    وبفضل بعض الرحّالة مثل ماركوبولو، انتشرت قصص خيالية وأقرب ما تكون إلى الخرافات عن جنّة الحليب والعسل والنساء والحشيش التي أقامها الصبّاح في قلعته.
    ماركوبولو أشار إلى انه زار آلاموت عام 1273، وهذا أمر مستغرب لأن القلعة كانت قد دُمّرت قبل ذلك بأكثر من عشرين عاما، بعد أن استولى عليها المغول وقتلوا سكّانها ودمّروا مكتبتها.
    كان الصبّاح ابن رجل فارسيّ من الشيعة. ومع مرور الوقت تبنّى هو وأتباعه مذهب الدولة الفاطمية في مصر. كان شخصا ذكيّا وذا دراية بالعلوم والرياضيات. كما وُصف بأنه تقيّ وعادل. ويقال انه عانى كثيرا بعد أن أمر بقتل ولديه، الأوّل لأنه تناول الخمر والثاني لضلوعه في جريمة قتل.
    وقد سُمّي الصبّاح بشيخ الجبل لأنه لم يغادر قلعته طوال ثلاثين عاما إلى أن مات فيها في مايو من عام 1124 عن ثمانين عاما.
    باغتيال نظام الملك، عمّت الثورات والقلاقل أرجاء الإمبراطورية السلجوقية. وتقاسم أبناء الحكّام إدارة الأقاليم، ونشأت بعد ذلك إمارات صغيرة متناثرة وغير مستقرّة.
    وكانت تلك الأحداث إيذانا بزوال دولة السلاجقة الذين ينحدرون من قبيلة تركيّة قدمت من سهوب آسيا الصغرى. وكانوا قد أسّسوا لهم إمبراطورية واتّخذوا من بلاد فارس عاصمة لملكهم.
    ويُنسب إلى السلاجقة الفضل في أنهم أعادوا الوحدة الإسلامية مرّة ثانية تحت حكم الخلافة السنّية. وبحلول عام 1060، كانت إمبراطوريّتهم تضمّ أراضي بلاد الرافدين وسوريا وفلسطين ومعظم إيران.
    أثناء تولّيه وظيفته في المرصد، عاش عمر الخيّام فترة من السلام الداخليّ امتدّت لعشرين عاما، حقّق خلالها العديد من الانجازات الفلكية والعلمية.
    لكن موت نظام الملك ثم ملكشاه أنهى سنوات السلام التي عاشها. فقد توقّف تمويل مرصده، كما تعرّض لهجوم وأذى الأصوليين المتشدّدين الذين لم تتوافق أفكارهم المتحجّرة مع عقليّته المتفتّحة والمتسائلة. وتوفّي في نفس المدينة التي ولد فيها، أي نيشابور، في الرابع من ديسمبر عام 1131م.
    الخيّام، المولود في مايو من عام 1048م، أي بعد حوالي عشر سنوات من وفاة العالم العظيم ابن سينا، كان يتقن العربية إلى جانب الفارسية. ويقال أن أسلافه كانوا من العرب صُنّاع الخيام الذين هاجروا إلى بلاد فارس قبل قرون واستقرّوا فيها.
    والغريب أن معاصريه لم يذكروا أشعاره ولم يعلّقوا عليها في زمانه، ربّما لأنه كان مشهورا أكثر بوصفه عالما وفيلسوفا وفلكيّا. ولم تظهر أوّل مجموعة من الرباعيّات التي تحمل اسمه إلا بعد وفاته بمائتي عام.
    قصّة الخيّام ونظام الملك والحسن الصبّاح كُتبت مرارا وغُيّر فيها وبُدّل لتخدم مجموعة من الأغراض السياسية. وما تزال الروايات حول هذه القصّة مشوّشة ومتضاربة. ويبدو أن الأسطورة هي التي عاشت وترسّخت، بينما طُمرت الحقيقة تحت ركام الحروب وغبار الزمن.

    Credits
    researchgate.net

    Thursday, May 18, 2017

    نصف الكأس المملوء

    في الكثير من الأحيان، نشغل أنفسنا بالتفكير في الأشياء التي تنقصنا في هذه الحياة. وفي غمرة لهاثنا اليوميّ لتأمين المستقبل، يفوتنا أن نتوقّف ونفكّر في الأشياء الثمينة التي بحوزتنا فعلا والتي تستحقّ أن نتذكّرها ونشكر الله عليها ونقدّرها حقّ قدرها.
    تذكّر، مثلا، انك ما تزال على قيد الحياة وأنك أمضيت يومك دون مشاكل أو منغّصات.
    وتذكّر انك حتى هذه اللحظة تمكّنت من أن تقطع شوطا بعيدا من حياتك دون أن تعاني من مرض خطير أو تمرّ بظرف تحسّ معه باليأس أو العجز.
    وتذكّر انك تمكّنت من تعلّم الكثير من الأشياء المفيدة والنافعة على مرّ السنوات التي انقضت من عمرك.
    وتذكّر أن ثمانين بالمائة من أعضاء جسمك ما تزال تعمل وتؤدّي وظائفها بكفاءة تقريبا، منذ اليوم الذي ولدت وحتى هذه اللحظة.
    وتذكّر أنك ما تزال قادرا على أن تحصل على ماء نظيف وطعام جيّد ومأوى آمن، بينما العالم من حولك يعاني من المجاعات والحروب وندرة الموارد.
    وتذكّر أن كلّ إنسان، بلا استثناء، ارتكب العديد من الحماقات والأخطاء، ربّما أكثر بكثير ممّا ارتكبته أنت.
    وتذكّر أن العديد من الناس الذين تحبّهم ويحبّونك ما زالوا على قيد الحياة وأنهم يفهمونك حقّا ويتعاطفون معك ويؤازرونك.
    وتذكّر أن هناك أشخاصا كثيرين في هذا العالم يتألّمون ويعانون بأكثر ممّا تعاني وتتألّم، ويتمنّون بل ويحلمون بأن يكون لهم نفس ظروفك وإمكانياتك.
    وتذكّر أن الإنسان الحكيم هو الذي لا يندم على الأشياء التي لم يحصل عليها، بل الذي يبتهج ويفرح بالأشياء التي لديه.
    وتذكّر أن الأشياء الايجابية التي تعتبرها مسلّمات في حياتك هي أوّل الأشياء التي تستحقّ أن تشكر الله عليها وتدعوه لأن يديمها عليك.
    وتذكّر أن جميع الناس من حولك هم غريبو الأطوار بقدر أو بآخر، لكنك لا تلاحظ ذلك لأنك غير مطّلع على بواطن أمورهم ودواخل أنفسهم.
    وتذكّر أن لديك نعمة عظيمة تتمثّل في الجلال الصامت للسماء الليلية، والتي تستحقّ أن تمنحها بعضا من وقتك لتتأمّلها وتقدّر من خلالها عظيم صنع الخالق وضآلة الإنسان في هذا الكون الواسع.
    وتذكّر انك إنسان طبيعيّ نسبةً لعدد الأشياء الغبيّة أو غير المدروسة التي ارتكبتها، ثم حاول من الآن فصاعدا ألا تقسو على نفسك وألا تأخذها بجدّية أكثر من اللازم.
    وتذكّر أن هناك العديد من الأشخاص الرائعين الذين يمكن أن تستمتع بالنظر إليهم والإصغاء إلى كلامهم والاستئناس بآرائهم وتجاربهم القيّمة في الحياة.
    وتذكّر أن أعظم وأنبل الأفكار في هذا العالم موجودة بين ثنايا العديد من الكتب، وهي في متناول يدك كي تقرأها وتستفيد منها في ما تبقّى من حياتك.
    وتذكّر أن هناك من الآخرين من هم أكثر تواضعا وأجمل وألطف بكثير مما تتوقّع.
    وتذكّر، إن كنت قد بلغت الأربعين أو ما بعدها، أن لا شيء فعلته أو فكّرت به عندما كنت في العشرين من عمرك يبدو مهمّا الآن. لذا لا تندم على الماضي بل داوم على النظر للمستقبل بتفاؤل وأمل.
    وتذكّر انه في منتصف الليل وفي الصباح الباكر يصبح العالم بأسره ملكك لوحدك، لا يشاركك فيه احد.
    وتذكّر انه لولا والديك، بعد الله، لما جئت إلى هذه الحياة، وأنهما مستمرّان في حبّهما لك حتى لو كنت قد تجاهلتهما أو لم توفّهما حقّهما في بعض الأحيان.
    وتذكّر أن تشكر الله دائما على انك لا تعلم على وجه اليقين ما الذي سيحدث لك بعد ساعة، بل بعد دقيقة أو ثانية من الآن.
    وأخيرا، تذكّر أن الله منحك اليوم 86.400 ثانية، ويتوجّب عليك أن تستغلّ بعضها كي تقول له شكرا.

    Credits
    bodyandsoul.com

    Monday, May 15, 2017

    عن الحبّ وقدرة الفنّ على التذكّر


    في روايتها القصيرة "ليديا كاسات تقرأ جريدة الصباح"، تأخذ الكاتبة والأكاديمية هارييت سكوت تشيسمان القارئ إلى ركن صغير وغير منظور من تاريخ الفنّ.
    والرواية تؤرّخ لأفكار ومشاعر ليديا كاسات عندما كانت تجلس أمام شقيقتها الرسّامة ميري كاسات لترسمها في باريس في نهايات القرن التاسع عشر.
    الرواية المسمّاة على اسم إحدى لوحات ميري لشقيقتها تبدأ في العام 1878. عائلة كاسات، الغنيّة والقادمة من ولاية بنسلفانيا الأمريكية للعيش بشكل دائم في باريس، تتألّف من الأب والأمّ والبنتين ميري الرسّامة وليديا المصابة بمرض مزمن في الكلى. وليديا تجلس الآن أمام ميري لترسم لها بورتريها سيُعرف في ما بعد باسم "امرأة تقرأ".
    كانت ليديا إحدى أشهر النساء الصامتات في تاريخ الفنّ. وعندما توفّيت عام 1882 متأثّرة بمضاعفات مرضها لم تترك وراءها أيّة رسائل أو مذكّرات.
    إرثها الوحيد كان صورها التي رسمتها لها شقيقتها الفنّانة والتي تبدو فيها بملامح نضرة وشعر أشقر مائل للحمرة. وليديا التي توفّيت في الأربعينات من عمرها لم تتزوّج أبدا. الرجل الوحيد الذي أحبّته قُتل في الحرب الأهلية الأمريكية.
    كانت ليديا نموذجا للعذراء المضحّية في العصر الفيكتوري، تهتمّ بالآخرين وتبذل نفسها بسخاء لكلّ من حولها، فترعى المرضى وتصل الأقارب وتدبّر أمور المنزل.
    وتشيسمان التي تمنح ليديا صوتا في روايتها تتخيّل أفكارها الداخلية وهي تجلس ساكنة أمام أختها لترسمها بينما صحّتها تتدهور يوما بعد آخر.
    الكثير من هذه الرواية متخيّل، رغم أن أحداثها تتوافق مع ذلك العصر ومع ما هو معروف عن ميري وليديا، وبالأخصّ إخلاص ميري العظيم لشقيقتها.
    تقول المؤلّفة: هناك حيوات كثيرة في هذا العالم لا تُسجّل ولا يعرف عنها الناس شيئا. وقصّة ليديا كاسات تشبه أن تمنح حياتها صوتا كي تقول أشياء أكثر عن نفسها وعن عصرها".
    ميري التي تكبر ليديا بسبع سنوات كانت واحدة من بضعة رسّامين أمريكيين وصلوا إلى باريس في بدايات تشكّل الحركة الانطباعية، وبدءوا عرض أعمالهم جنبا إلى جنب مع رسّامين مثل ديغا ورينوار وبيسارو ومونيه وغيرهم.
    تتألّف الرواية من خمسة فصول، يتمحور كلّ منها حول واحدة من لوحات ميري التي رسمتها لشقيقتها، وكلّ فصل يحمل اسم اللوحة. وأحداث الرواية ترد على لسان ليديا التي تتأمّل عالمها بشجاعة وهي تنتظر موتها الوشيك، وفي نفس الوقت تطرح أسئلة مهمّة عن الحبّ وقدرة الفنّ على التذكّر.
    والكاتبة تعطي أهمّية خاصّة للمكان، وكما لو أن ميري تتواصل مع أختها عاطفيا ووجدانيا من خلال الرسم.
    غير أن الرواية تتضمّن حبكة فرعية تتناول علاقة ميري بالرسّام ادغار ديغا الذي كان يرعاها ويشجّع عملها. وليديا في الرواية تعبّر عن صدمتها عندما تعرف أن ميري جلست أمامه ليرسمها .


    كان ديغا برأي ليديا رجلا صعبا ومزاجيا وذا نظرات قاسية ولسان سليط. كما انه كان يرسم مواضيع غير لائقة كالراقصات وبنات الهوى.
    وليديا تصفه بالكلب لأنه "اعتاد على أن يقضم المواضيع قضما ويهاجم هذا الرسّام أو ذاك، ويصوّب نظراته الحادّة على الأشياء في شقّتنا: طاقم الشاي والمزهريات اليابانية وأنا".
    في ما بعد، تجد ليديا كلا من ميري وديغا في منزل العائلة الريفيّ وتشكّ أن بينهما علاقة ما. لكن الكاتبة تنفي ذلك على اعتبار أن ديغا كان معروفا بكراهيّته للنساء وكانت له ملاحظات تسيء إلى صديقته ميري وتحطّ من قدرها. ومع ذلك، تقول تشيسمان أن ميري أحرقت جميع رسائل ديغا إليها، وبالتالي يصعب نفي أو إثبات شيء.
    مع تطوّر الرواية تزداد صحّة ليديا سوءا، ثم نصل إلى الفصل الرابع الذي تزيّنه لوحة ميري كاسات غير العاديّة بعنوان مشوار بالعربة .
    وفيها نرى ليديا الشاحبة وهي تقود عربة يجرّها حصان، بينما تحدّق في شيء أمامها، وإلى جوارها تجلس طفلة صغيرة، وفي الخلف يجلس شخص غامض يرتدي ملابس داكنة. اللوحة مليئة بالإشارات الصامتة وكأننا أمام رحلة إلى العالم السفليّ.
    تقول المؤلّفة: هذه واحدة من اللوحات الأكثر إثارة للحزن التي رسمتها ميري لأختها. لكنها أيضا تتضمّن شيئا جميلا، فليديا تبدو فيها ذات عزيمة قويّة وهي تمسك بلجام الحصان بينما تمرّ من أمام الناظر بسرعة".
    هذا الفصل من الرواية يتضمّن مواجهة بين ليديا وديغا. تقول له: سأموت. فيردّ: اعرف ذلك. فتقول له: لم افعل شيئا في حياتي، ولا شيء لديّ اتركه ورائي". وفي لحظة تعاطف نادرة، يواسيها ديغا بالقول إنها ستترك منحة ثمينة هي صور ميري لها. ثم يضيف: لقد أحبّتك ميري كما لم تحبّ إنسانا آخر ولن تحبّ إنسانا بعدك أبدا".
    الفصل الأخير من الرواية عنوانه ليديا تجلس أمام آلة التطريز ، على اسم إحدى اللوحات الخمس. وهو استعادة لكلّ الأفكار التي سبق أن تناولتها الرواية. وفيه تكتب ليديا رسالة وداع ومواساة إلى ميري تقول فيها: أختي وحبيبتي، اعرف انك ستحزنين كثيرا عندما ارحل، سيتألّم قلبك وتنكسر فرشاتك، لكنّ روحي ستظلّ معك في صوري، وستتذكّرينني وأنا منكبّة في العمل على آلة التطريز في احد أيّام يونيو القائظة في باريس".
    كانت ميري وشقيقتها تقضيان معظم وقتهما معا وتحبّان بعضهما بعمق، وكانتا تعرفان أنها ستفترقان قريبا.
    ورغم أن ميري كاسات رسمت بعض صور لأمّهات وأطفال قبل موت شقيقتها، إلا أن هذا النوع من الصور أصبح بعد ذلك موضوعها المفضّل والكبير. والمؤلّفة تعتقد أن صور ميري الجميلة لأمّهات يرضعن أطفالهنّ لها علاقة برعايتها لشقيقتها وتعاطفها القويّ معها.
    رواية تشيسمان تفتح نافذة على عصر غير عاديّ، وتضيف الكثير إلى فهمنا عن حياة ميري كاسات وفنّها وعصرها. كما أنها في الوقت نفسه محاولة لاستكشاف طبيعة الفنّ والحبّ والذكريات والموت.

    Credits
    harrietchessman.com
    nytimes.com